عن عبثية العون الإنساني في اليمن

02 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

كثيرة ومُروعة التقارير الأممية والأكاديمية التي وثّقت سياسة التجويع التي انتهجها التحالف السعودي - الإماراتي ضد الشعب اليمني، منذ بداية تدخله العسكري في مارس/ آذار 2015. تعمّدت الرياض وأبوظبي قصف المزارع والمصانع والمخازن والمستشفيات وحتى مراكب الصيد. حاصرت قواتهما اليمن جوا وبرا وبحرا، وشلّت حركة مطار صنعاء، وحاصرت موانئ البلاد على البحر الأحمر، وأخّرت عبور ناقلات الوقود أو منعتها، ودمّرت الرافعات المستخدمة لتفريغ حمولات السفن في ميناء الحديدة الحيوي، واعترضت السفن واحتجزت بعضها شهورا، ولم تسمح لها بالعبور إلا بعد أن تأكدت من انتهاء صلاحية شحنات الغذاء والدواء أو تعرّضها للتلف.

قد ترقى هذه الممارسات التي تنتهك القانون الإنساني الدولي إلى جريمة حربٍ تشترك فيها مليشيا الحوثي، فقد اجتهدت، هي الأخرى، في منع وصول إمدادات الإغاثة إلى ملايين المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرتها، ورفضت دفع رواتب الموظفين، واستولت على المساعدات الدولية وسخّرتها لمقاتليها، ما ساعدها على الصمود في حربها ضد التحالف. نهج الحوثيون والتحالف سياسة التجويع ذاتها أداةً للمساومة في صراع النفوذ على المنطقة بين السعودية وإيران.

نهج الحوثيون والتحالف سياسة التجويع ذاتها أداةً للمساومة في صراع النفوذ على المنطقة بين السعودية وإيران

بلغت الحرب في اليمن بُعداً "سوريالياً وعبثياً"، حسب تعبير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني برصد الوضع في اليمن، وطالبت لجنة الخبراء مجلس الأمن هذه السنة بإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية لوضع حدّ للإفلات من العقاب. ولكن بَدَل أن يدفع باتجاه المساءلة، شطب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، المملكة السعودية من "قائمة العار" للدول المنتهكة حقوق الأطفال، متجاهلا مسؤولية التحالف، بقيادة السعودية، عن قتل وتشويه ما لا يقل عن 222 طفلاً السنة الماضية، حسب ما جاء في تقريره السنوي عن الأطفال والنزاعات المسلحة لعام 2019. وليست هذه المرّة الأولى التي تنجح فيها الرياض في تبييض صفحتها الأممية، فقد سبق أن هدّدت الأمين العام السابق، بان كي مون، بسحب كل مساهماتها المالية إن تم إدراجها في "قائمة العار" في تقرير 2015. 

من أجل تدفق التبرّعات وتمويل جهود الإغاثة في اليمن، ترحّب الأمم المتحدة بالسعودية والإمارات، ومن يسلّحهما، على طاولة المانحين. وتردّ الرياض وأبوظبي على تهم قتل الشعب اليمني وتجويعه، بأنهما تحرصان على حياة المدنيين، وتوليان العمل الإنساني أهمية قصوى، وتخصّصان مبالغ طائلة لمساعداتٍ إنسانيةٍ يثني عليها العالم أجمع. وتتصدّر الأمم المتحدة ووكالاتها قائمة الشاكرين، فقد سعِد غوتيريس باستضافة السعودية مؤتمر المانحين الافتراضي لليمن في يونيو/ حزيران 2020، وشكر "التزامها المستمر بالمساعدات الإنسانية لشعب اليمن"، وأثنى منسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، مارك لوكوك على سخاء المملكة أيضا.

قبل أن تكون عمليات الإغاثة مهمة إنسانية، هي صناعة مُربحة تشغّل حوالي 600 ألف موظف في العالم!

تعهدت السعودية بمساهمة قدرها 500 مليون دولار، أي نصف مساهمتها للسنة الماضية، في حين لم تتعدَّ تبرّعات الإمارات الــ 25 مليون دولار هذه السنة، ما جعلها موضع انتقاد في ظل نقص تمويل عمليات الإغاثة واستفحال خطر المجاعة. لكن المشكلة لا تكمن في قصور التمويل فقط، بل في مصدره أيضا. المعضلة في السماح لليد التي تجوِّع الشعب عن قصد أن تطعمه بإحسان، في موقف عبثي لا ترى فيه الأمم المتحدة تناقضا، ففي مؤتمر صحافي انعقد في إبريل/ نيسان المنصرم في مقر الأمم المتحدة في جنيف، سأل أحد الصحافيين غوتيريس كيف ينظر إلى المفارقة في أن تقدّم دولةٌ نفسها على أنها أحد المانحين والداعمين الرئيسيين لليمن، بينما تقصف المدنيين سنوات. أجابه الأمين العام بهدوء: "هذا البلد يتبرّع بالمال لإصلاح ما يدمره. حسنًا، نعلم جميعًا أن هناك حربًا في اليمن، وكلنا يعرف أطراف هذه الحرب، لكن يجب النظر إلى الأمرين بشكل منفصل".

أكثر من غيره، يدرك غوتيريس الذي عمل في الحقل الإنساني مدة طويلة، أن للعون الإنساني آثارا جانبية قاتلة، خصوصا حين تعيش الشعوب سنوات بين مطرقة المجاعة وسندان المعونات. تُجْرَح كرامة الشخص كل دقيقةٍ يقف فيها في طابور، بانتظار الحصول على بضعة كيلوغرامات من الأرز والطحين وأشياء أخرى. ويموت الآباء ألف مرّة، حين يشاركون العالم صوراً لأطفالهم، وقد شوّه الجوع والمرض أجسادهم، وحوّلها إلى هياكل عظمية، يتم ترويجها لجمع تبرّعاتٍ قد لا يصل إليهم منها إلا الفتات.

من أجل تدفق التبرّعات وتمويل جهود الإغاثة في اليمن، ترحّب الأمم المتحدة بالسعودية والإمارات، ومن يسلّحهما، على طاولة المانحين

قبل أن تكون عمليات الإغاثة مهمة إنسانية، هي صناعة مُربحة تشغّل حوالي 600 ألف موظف في العالم، حسب تقرير مشروع "وضع منظومة العمل الإنساني" للعام 2018، الصادر عن "شبكة التعلم الإيجابي للمساءلة والأداء" البريطانية. ويذكر التقرير أن وكالات الأمم المتحدة قد أنفقت 16 مليار دولار في العام 2015، وبلغت إنفاقات المنظمات غير الحكومية 16.8 مليار دولار في 2017. وبما أن العون الإنساني صناعة، هناك أطرافٌ تستفيد من إطالة أمد الحروب بشكل أو بآخر، بما فيها الجهات المانحة، بدءًا بأميركا التي تحتكر، منذ 1992، إدارة برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة. ويلخص برنامج "الغذاء مقابل السلام" الذي طبّقته واشنطن أزيد من خمسة عقود جلّ عيوب العون الإنساني الأميركي. وإلى حدود العام 2010، ظل قانون المساعدات الخارجية يشترط شراء فائض القمح من المزارعين الأميركيين وبيعه للحكومة، ثم يشترط شحنه على متن سفن أميركية يملك أغلبها تجار القمح، وتستغرق رحلتها نحو البلدان "المستفيدة" بين أربعة وستة أشهر. وأظهرت عدة دراسات أن البرنامج ساهم في توسيع أسواق صادرات أميركا، ومكّن المسؤولين من التخلص من الفائض الزراعي الناتج عن الإعانات التي تقدّمها الحكومة للمزارع المحلية، لكنه تسبّب في تقويض الإنتاج الزراعي المحلي في دول العالم الثالث "المستفيدة"، وتهديد أمنها الغذائي على المدى الطويل. والأسوأ أن واشنطن استخدمت المعونات الغذائية لتأجيج الحروب وإطالة أمدها، كما هو الشأن في "عملية شريان الحياة" في جنوب السودان. وتحت ضغوط أميركية، اضطرّت حكومة الراحل، الصادق المهدي، للموافقة على هذه العملية، لإيصال الإغاثة إلى جنوب البلاد، بعد أن رفضت الحركة الشعبية المتمرّدة وقف إطلاق النار. واستمرت أكبر عملية إغاثة في تاريخ الأمم المتحدة من 1989 إلى حدود 2005، واستغلّها المتمردون لتحويل جزءٍ كبير من الإمدادات الغذائية لصالح مقاتلي الجيش الشعبي، ما ساعدهم على مواصلة الحرب والتفاوض من موضع قوة إلى أن توصلوا إلى اتفاقية سلامٍ تضمنت مشروع انفصال جنوب السودان برعاية أميركية، تحت غطاء أممي، عبر تغطيتها حوالي 70% من تكاليف "عملية شريان الحياة"، استطاعت واشنطن دعم التمرّد وانفصال الجنوب جرّاء حربٍ صوّرتها أنها دينية صرفة.

اتضح للجميع أن المساعدات تدعم المتمرّدين في اليمن، وتساهم بشكل غير مباشر في إطالة أمد الحرب

لم يتغير الكثير في ممارسات العون الإنساني في مناطق الحرب منذ ذلك الحين، فقد كشف تقرير مجلة فورين أفيرز، الأميركية، لسبتمبر/ أيلول 2018، كيف سمح مجتمع المانحين لنظام بشار الأسد في سورية بالسيطرة على مساعدات دولية قيمتها 30 مليار دولار، سخّرها لدعم حربه من أجل البقاء في السلطة. أما في اليمن، فلقد التزمت الأمم المتحدة الصمت سنواتٍ، بينما كانت مليشيا الحوثي تستولي، هي الأخرى، على إمدادات الإغاثة وتحّولها إلى جبهات القتال، وتبيع بعضها في السوق السوداء. وقد دان مجلس الأمن استيلاء المتمرّدين الحوثيين على المساعدات، بعد أن استمع إلى تقرير مفصل قدّمه مدير برنامج الأغذية العالمي، ديفيد بيزلي، في جلسة يونيو/ حزيران 2019.

لا تزال الأمم المتحدة تحذّر من خطر مجاعة وشيكة، ومن نقصٍ في تمويل جهود الإغاثة، ولا أحد يدري ما يمكن أن تفعله المنظمة الآن، وقد اتضح للجميع أن المساعدات تدعم المتمرّدين في اليمن، وتساهم بشكل غير مباشر في إطالة أمد الحرب. ولكن باستطاعتها الكفّ عن وصف مأساة اليمنيين بأنها "أزمة مجاعة"، والحديث بصدق عن تجويعهم المتعمّد، عن جريمةٍ ضد الإنسانية لن تمحوها تبرّعات الجناة للعون الإنساني.