عن انشغالات الأردنيين بالتطبيع

23 سبتمبر 2020
الصورة

احتجاج في عمان ضد إسرائيل وصفقة القرن والتطبيع (31/1/2020/فرانس برس)

يُمضي الأردنيون، منذ أسابيع، وقتاً كبيراً في نقاش السياسات، الداخلية لبلدهم أو لجيرانهم أو لمحيطهم العربي. والأردنيون قيادة وشعباً هم الأكثر تعلقاً واشتباكاً بالقضية الفلسطينية ومؤثراتها، ونتائجها على أرضهم، وسياسياً وديموغرافياً. يرفض الأردنيون التطبيع، ويشمسون كل مطبع، ويكرهون إسرائيل، والعقيدة القتالية عند الجيش العربي (الأردني) ما زالت ترى إسرائيل عدواً، وقد صدرت إشاراتُ كثيرة عن الملك عبدالله الثاني ومجلس النواب، في العامين الأخيرين، ضد السكوت على سياسات إسرائيل الاستيطانية والتي تخرّب في مستقبل حلّ الدولتين.

رفض الأردن "صفقة القرن"، ورفض قرار نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، ورفض تجديد عقد استخدام أراضي الغمر والباقورة، وهو مستمر بربط كل حلّ أو اتفاق سلام منفرد بمسألة حلّ الدولتين، كما أنه لم يؤيد أو يرفض اتفاقيتي الإمارات والبحرين الموقعتين أخيرا مع اسرائيل وبرعاية أميركية، لكن الموقف الرسمي أقرب إلى الـتأويل بأنه ينحو إلى الرفض؛ إذا ما دققنا في تصريحات وزير الخارجية، أيمن الصفدي، الذي ربط كل اتفاق بأهمية الانتهاء إلى حل الدولتين، وتحقيق أمال الشعب الفلسطيني. وفي الوقت نفسه، تمارس إسرائيل مزيدا من الرفض والاستيطان، وتقول وداعاً لحل الدولتين، وما دمنا وصلنا إلى الخليج وغيره ما قيمة حلّ الدولتين. وبالتالي، معنى كلام الصفدي كيف نجري سلاماً في ظل واقعية سياسية رافضة الحق الفلسطيني، بل تعمل على إلغاء خيار السلام؟

الموقف الشعبي الأردني، ممثلاً بمجلس النواب والأحزاب والنقابات، رفض أي اتفاقات مع العدو الإسرائيلي

الموقف الشعبي الأردني، ممثلاً بمجلس النواب والأحزاب والنقابات، رفض أي اتفاقات مع العدو الإسرائيلي، ما يعكس أن التطبيع والسلام كان خيار حكوماتٍ وقراراتٍ جرت في معزل عن الواقع الراهن، وإنما لمصالح خاصة مرتبطة فقط بالعلاقات مع أميركا وإسرائيل، وهو أمر يعني أن الهمّ العربي بات خلف الظهور، وأن المسألة الفلسطينية باتت تخصّ أهلها، وهو ما اعتمدت الولايات المتحدة عمله منذ السبعينيات، لتبدأ الخيبات مع "كامب ديفيد" لاحقا (1978)، ثم اتفاق أوسلو ثم وادي عربة، ثم ما حدث أخيرا. ومن السهل أن يرد عربي من دول الموقعين: ما دخل الأردنيين بما نفعل؟ ومن السهل قوله إن أهل القضية ذهبوا قبلنا .. لكن المهم التأكيد على حق الشعب الفلسطيني أن يرى دولته التي قبل بالقليل من أرضها، لكي يقيم دولته عليها.

في الأردن شعب له تاريخ وحياة مشتركة ومستقبل مشترك، والأردن هو الرئة التي تتنفس منها مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية. صحيحٌ أن النقاش هنا ليس بصدد خيارات العرب وقرارات الدول السيادية، لكن كان الأوْلى، وقد ظنوا أنهم أحدثوا السلام، أن يكون أقل انبهارا ودهشة واحتفاءً، وأن لا تضرب أعناق الإبل لذلك الشكل من الاتفاقيات. وصحيحٌ أن العرب عدّلوا مناهجهم الدراسية ضد إسرائيل منذ أكثر من عقد، وقلّلوا من نصوص الكراهية وآيات الجهاد كما يزعمون، لكن إسرائيل هي التي تقتل، وهي التي تسلب وتضرب عرض الحائط بكل ما صدر من قرارات. لذلك يجب اليوم إعادة تعريف إسرائيل بأنها عدو في المناهج العربية، ووقف تدريس نصوص السلام. 

الاتفاقيات لا تصنع سلاماً بين الشعوب، لكن الرهان هو على حيوية العرب والعروبة في كل البلاد التي وقعت اتفاقيات سلام بما فيها الأردن

صحيح أن الأردن متعلقٌ حدّ الحياة بالمصير الفلسطيني، لكنه أيضا منتم لمحيطٍ عربي كان دائما قويّا به. وصحيح أن الاتفاقيات لا تصنع سلاماً بين الشعوب، لكن الرهان هو على حيوية العرب والعروبة في كل البلاد التي وقعت اتفاقيات سلام بما فيها الأردن. وبناء جبهة رفض عربي ومقاومة التطبيع اليوم هو أهم خياراتنا الممكنة، نحن الشعوب. ومن نافل العروبة أن نذكي عروة الرفض، وأن نشيد بأي موقفٍ لا يسعى إلى السلام، ويرفض التطبيع مع الكيان الصهيوني المحتل.

من الممكن لولا جائحة كورونا، وقوانين الحظر الوبائي أن تخرج النقابات والأحزاب والقوى الطلابية عن صمتها، وأن تتظاهر في الشارع ضد التطبيع، وهو أمر يجري في الجلسات المغلقة اليوم، وعبر الفضاء الاجتماعي لشبكات التواصل، لكننا قد نشهد إحماء أكبر للنقاش والجدل في ظل اقتراب الإنتخابات النيابية، وصدور البيانات السياسية للمرشحين. 

في الختام، ينتهي الموقف الأردني الرسمي، غير المعلن مباشرة، وكذلك الشعبي المباشر، إلى رفض الاتفاقات الموقعة أخيرا مع إسرائيل، ويلح على الحقوق الفلسطينية وحل الدولتين. وربما يكون الأردن قد علم بالاتفاقات مسبقا، لكن لا حيلة له بثني الطموح الشخصي للدول، وهو يحترم قراراتها، وليس من عادته التنديد والشجب، بما يخص خياراتها. ورفضه أو عدم ترحيبه أكثر مما توقع الأشقاء منه، مردّه الوجع فيه لكونه مصابا بجراح الاحتلال وسياساته، وله حقّ الولاية الدينية على المقدّسات، والاتفاقيتان الموقعتان أخيرا تشوشان على هذا الحق.