عن المشهد الاحتجاجي في مصر

03 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

انطلقت، قبل أيام، حركة احتجاجية في مصر في قرى ومناطق مهمّشة، اتسمت بدوافعها الاقتصادية، على الرغم من رفع شعارات سياسية، مثل المطالبة برحيل الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عن السلطة. تفجّرت هذه الاحتجاجات، بعد القانون الجائر المسمّى قانون التصالح الذي قام به النظام، على إثره هدم منازل وأبنية عديدة منها دور عبادة، بحجّة أنها مخالفة، وبالتالي لا بد من الإزالة، أو دفع غرامات يتم تقديرها من الدولة، مقابل عدم هدم تلك المباني. والناظر إلى المنهجية التي يتبعها النظام يرى أن هذه الطريقة ليست طريقة للإصلاح، ولا يراد بها التغيير الحقيقي وعمل إصلاحات حقيقية، كما يزعم الرئيس المصري، بل المراد هو فرض مزيد من الجباية والاستحواذ علي أموال المواطنين، فمن الممكن التغاضي عن الخطأ مقابل دفع الأموال. وقد درج الرئيس المصري على هذه المنهجية منذ وصوله إلى السلطة في 2014، حينما بدأ الأمر بما تسمى شهادات استثمار قناة السويس، والتي كان الهدف منها جمع الأموال من المواطنين في المقام الأول. وبعدها بفترة بدأ الرجل حملة تسمّى صبّح على مصر بجنيه، والتي حاول جاهدا أن يفرضها من خلال قطاعاتٍ مختلفةٍ في الدولة، وفي مقدمتها شركات الاتصالات، ثم مبادرة صندوق "تحيا مصر"، والتبرّع لهذا الصندوق الذي لا يعرف أحدٌ حجم الأموال فيه، أو طريقة إنفاقها، تلت ذلك مبادراتٌ عديدة، جديدها أخيرا ما يسمى التبرّع لمصر، والتي تفرض على المصريين في كل قطاعات الدولة، وكأن النظام لم يكتف بالضرائب التي يتم اقتطاعها، أو زيادة الأسعار وارتفاع مستوى المعيشة الناتجة عما يسمّى الإصلاح الاقتصادي، وتبنّي سياسيات نيوليبرالية جائرة، والتي يدفع المواطن المصري وحده فاتورة هذا الإصلاح المزعوم وهذه السياسات الجائرة. إلى جانب مبادرات عديدة أخرى تهدف إلى الاستحواذ على المال السائل لدى المواطنين. 

تمركزت الاحتجاجات أخيرا في الأطراف، وساهمت فيها الطبقات الفقيرة، وليس الطبقة المتوسطة التي ساهمت بقوة في الانتفاضة الثورية في يناير 2011

تمركزت الاحتجاجات أخيرا في الأطراف، وليس في المركز، واستمرّت عدة أيام (في مشهد لم يتكرّر تحت حكم الرئيس الحالي)، وساهمت فيها الطبقات الفقيرة، وليس الطبقة المتوسطة التي ساهمت بقوة في الانتفاضة الثورية في يناير/ كانون الثاني 2011، ويرجع عدم مشاركة تلك الطبقة لأسباب سياسية واقتصادية وأمنية. ولكن طبقا لخريطة الفقر والتهميش في مصر، فإن الاحتجاجات كانت كالآتي: في يوم الجمعة 25/9 (جمعة الغضب) بلغت الاحتجاجات 46 احتجاجا شملت 14 محافظة، منها محافظات الصعيد، باستثناء محافظة قنا، جاءت الجيزة في أعلى الاحتجاجات بـ 18 فعالية احتجاجية، ثم المنيا بـ 8 احتجاجات. وجاء يوم 26/9 في المركز الثاني بـ 30 احتجاجا، أغلبها في الجيزة بـ 15 احتجاجا، يليها محافظة المنيا بـ 5 احتجاجات. وفي المركز الثالث اليوم الأول للتظاهر 20/9 بـ 21 احتجاجا جاءت الجيزة في المقدمة بـ 5 احتجاجات، يليها محافظة القليوبية بـ 4 احتجاجات. ثم يوم 22/9 بـ 19 احتجاجا، أعلاها في الجيزة بـ12 فعالية احتجاجية، يليها يوم 23/9 بـ 17 احتجاجات كانت الجيزة في العادة هي الأعلى بـ 13 احتجاجا. 

لم يستطع النظام إقامة بنية صناعية مستدامة، يستطيع من خلالها توفير فرص عمل وتقليل فرص البطالة

وتعكس هذه الخريطة أن الأماكن المهمّشة والفقيرة هي التي انخرطت في هذا المشهد الاحتجاجي. وهذا دليلٌ على المطالب الاقتصادية التي دفعت هؤلاء المواطنين إلى الخروج والتعبير عن غضبهم، بسبب حالة القمع الشديد التي يمر بها المجتمع المصري، منذ صعود الرئيس الحالي إلى السلطة، إلى جانب الأسباب الاقتصادية الأخرى. وفي ذلك كله، لم يجد النظام كعادته أي حل سياسي يقدّمه لهذه الاحتجاجات الصغيرة، بل استخدم، في الوقت الذي كانت تشتعل فيه تلك الاحتجاجات، الخطاب المكرّر نفسه منذ سبع سنوات تقريبا، أن جماعة الإخوان المسلمين هي من تقود هذه الاحتجاجات إلى جانب المؤامرة الكونية على مصر لتحويلها إلي دولة فاشلة. وفي الوقت نفسه، استخدم النظام القمع، مع تراجع تكتيكي بتأجيل عملية التصالح في المباني ودفع الأموال. لم يقم النظام بتراجع كلي أو عملية إلغاء القانون، لسببين، أولهما أن هذه الاحتجاجات عشوائية وغير منظمة، وفي الأطراف ولم تتوسع كثيرا، وتلحق المراكز الرئيسية في المناطق التي فيها، ولذلك راهن النظام على محاصرتها وانتهائها. ثانيا: رهان النظام بقدرته علي القمع بطريقة وحشية لم يسبق لها مثيل في تاريخ مصر الحديث، وما حدث في مجزرة رابعة العدوية في وضح النهار كان دليلا على ذلك. 

في الأيام الأولى للاحتجاج، خرج حزب "مستقبل وطن"، التابع لجهاز المخابرات، وأعلن أنه سيتحمل دفع تكلفة المصالحات، في أمرٍ أقرب منه للرشوة الانتخابية التي درج النظام عليها وليس للحل السياسي. بعدها بأيام، أعلن الرئيس أن تأجيلا لدفع الغرامات سيحدث، مع التأكيد على خطة النظام في الاستمرار في خطته السياسية في استكمال انتخابات مجلس النواب المقرّر عقدها الشهر المقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني). ولكن الرجل لم يُشر من قريب أو من بعيد إلى إجراء الانتخابات المحلية التي تم تجميدها منذ 2008. يدرك الرئيس أنه غير قادر على عقد الانتخابات المحلية، لأنه ليس رئيس حزب سياسي، فهو لا يؤمن بالمسألة السياسية، كما أن "مستقبل وطن" الذي هندسته المخابرات غير قادر علي بناء شبكة اجتماعية كالتي بناها الحزب الوطني الديمقراطي أو حتى جماعة الإخوان المسلمين، لذا فعقد الانتخابات المحلية يعني خسارة فادحة للنظام، لأنه غير قادر علي حسمها، وستأتي بوجوهٍ لا يريدها النظام، وقد يلغيها أو يُبطل نتائجها.

خمدت الاحتجاجات جزئياً، لكنها ستعاود الظهور، وستكون لها نتائجها التراكمية، فالنظام غيّب كل البدائل الديمقراطية

خمدت الاحتجاجات جزئيا، لكنها ستعاود الظهور، وسيكون لها نتائجها التراكمية. السبب أن النظام غيّب كل البدائل الديمقراطية، ولم يسمح بأي ممارساتٍ سياسية، وبالتالي لم يعد هناك أي هيئة سياسية تستطيع التواصل مع الناس، وفهم مشكلاتهم، ولعب دور الوسيط بينهم وبين الدولة على طريقة الحزب الوطني، أو الانتخابات المحلية، أيام حسني مبارك. ثانيا الفشل على مستوى الملف الاقتصادي، إلى جانب عدم امتلاك النظام أي حلول اقتصادية، فقد باتت غير متوفرة، وهناك قروضٌ تتراكم نتيجة سياسة الاقتراض التي درج عليها النظام، لذا سيعود مجدّدا لفرض مزيد من الجباية على الشعب، ولن يكون قادرا على تقديم تقدّم اقتصادي يلمسه المواطن في حياته، فلأزمة كورونا تأثير كبير على تدفق النقد الأجنبي لمصر، فتحويلات المصريين في الخارج انخفضت، كما أنها أثرت على قطاع السياسة، إلى جانب عوائد قناة السويس. وأثّر انخفاض أسعار البترول على عملية الدعم الخليجي التي كان يقدّمها للنظام المصري، والتي لم تعد موجودةً كما كانت من قبل، إلى جانب أن الاكتشافات المصرية من البترول وغيره لن تجدي في توفير النقد الأجنبي، نظرا إلى انخفاض الأسعار العالمية. في الوقت نفسه، لم يستطع النظام إقامة بنية صناعية مستدامة، يستطيع من خلالها توفير فرص عمل وتقليل فرص البطالة، وبالتالي رفع الناتج المحلي وتقليل الاستيراد لتوفير النقد الأجنبي، لكنه بدلا من ذلك أنفق الأموال والقروض على مشاريع قومية وبني تحتية لن توفر فرص عمل كبيرة، ولن ترفع الناتج المحلي، كما أنها مشاريع متداخلة مع شبكات الفساد التي يعتبر النظام جزءا منها ويحميها. لذا، ستتكرّر الاحتجاجات وستكون بمثابة الإنذار الذي يسبق العاصفة.