عندما يبحث الأسد عن شرعية في صندوق الاقتراع

06 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة انتقالية ضبابية، ومحفوفة بالمخاطر، تتنازعها أكثر من ساحة قابلة للانفجار في أي لحظة، من سورية إلى لبنان وإلى إسرائيل، ومن فلسطين إلى العراق إلى اليمن. وهي كلها ساحاتٌ مفتوحةٌ تحرّكها إيران، مباشرة أو عبر أذرعها الممتدة، كالأخطبوط في ثنايا تركيبتها السياسية والاقتصادية والديموغرافية، وفي نسيجها الاجتماعي. إلا أن القيادة الإيرانية تنتظر بفارغ الصبر ولوج جو بايدن عتبة البيت الأبيض لتتنفس الصعداء، بعد أن أذاقها دونالد ترامب الأمرّين من الحصار الاقتصادي والعقوبات خلال سنوات عهده الأربع، وبالأخص في السنة الأخيرة، إذ سدّدت الإدارة الأميركية ضربتين قاصمتين لنظام الملالي، باغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، الذي كان يتنقل في طول العالم العربي وعرضه محرّكا مليشياته المتعدّدة الجنسيات لـ"تصدير الثورة الخمينية"، والثانية بتصفية أبي القنبلة النووية الإيرانية، محسن فخري زاده، في وضح النهار في قلب طهران نفسها. ولن يأمن الملالي شرّ ترامب، ما لم يتأكّدوا من مغادرته الرئاسة، إذ إنه مستعد لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، ولو في آخر يوم له في البيت الأبيض. وكان الرئيس الأميركي قد وضع نصب عينيه، منذ لحظة انتخابه، تحجيم نفوذ طهران الإقليمي، وإعادتها إلى داخل حدودها، قبل أي هدف آخر إقليميا ودوليا. وقد أعلن ترامب يومها أنه غير معني بإسقاط بشار الأسد، وإنما بإخراج القوات الإيرانية من سورية. ولكنه احتفظ بالقوات الأميركية في شمال سورية، وقام قبل أيام بتعزيزها على خط الحدود السورية - العراقية، عند معبر التنف الذي تسعى إيران إلى تكريسه طريقا استراتيجيا لعبورها إلى ضفاف المتوسط وصولا إلى بيروت. وقد تحوّل سلاح العقوبات خلال كل هذه الفترة إلى عامل ضغط سياسي واقتصادي ومالي وعسكري فتاك وموجع، وتم تعميمه على كل الساحات، من العراق إلى سورية إلى لبنان، وهو مستمر، على الرغم من الأسابيع القليلة المتبقية لترامب في البيت الأبيض، فقد فرضت أمس الخزانة الأميركية عقوباتٍ جديدة استهدفت هذه المرة البنك المركزي السوري، وأصابت كيانات وأفرادا من ضمنهم زوجة بشار الأسد التي تمكّنت، من موقعها رئيسة لمؤسسة الأمانة السورية للتنمية، من التسلل لتصبح عضوا في اللجنة الدولية للتحكيم واختيار المواقع الأثرية من التراث العالمي التي توضع على قائمة يونسكو، وقد اعتبرت هذه الخطوة بمثابة محاولةٍ لإضفاء نوع من الشرعية للنظام في المحافل الدولية. 

أحلام الأسد ستبقى مجرد أوهام، لأن حسابات القيصر الروسي بوتين مغايرة، لأنه لا يملك ترف إضاعة الوقت، بعد المغامرة الأكثر كلفةً بالنسبة لموسكو سياسيا وعسكريا وماديا واستراتيجيا

أما وقد تحوّلت الساحة السورية إلى مجموعة ساحاتٍ للمواجهة، ليس فقط بين طهران وواشنطن، وإنما أيضا مع موسكو وأنقرة وتل أبيب، وتحسبا للنهج الذي سيسلكه الرئيس الأميركي المنتخب، بايدن، ولما سيتخذه من قرارات، وهو كان قد أعلن مواقف مناهضة للنظام السوري، وكذلك لتركيا أردوغان، فإن الأسد يسعى الآن إلى استباق التطوّرات، محاولا استخدام الحلفاء - الأوصياء عليه، لكي يفرض إعادة التجديد له رئيسا للمرة الرابعة منذ عام 2000 في الانتخابات الرئاسية المقرّر إجراؤها في الربيع المقبل خيارا لإيران وأمرا واقعا لروسيا التي ما زالت تراهن عليه ورقة للتفاوض مع الولايات المتحدة، وللجم، في المقابل، اندفاعة الجار التركي اللدود في شمال سورية. وهذا يتناقض طبعا مع مضمون قرار جنيف الأممي 2254 الذي يلحظ عملية انتقال للسلطة، ثم إجراء انتخابات حرّة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة، أي خروج الأسد من المشهد السياسي السوري. ولكن كيف يمكن إجراء انتخابات ذات حد أدنى من المصداقية، في ظل بلد محتل من خمسة جيوش تتنازعه وتتقاسمه عمليا إلى مناطق نفوذ وسيطرة برّية وجوية؟ 

يعيش الأسد حالة من الإنكار ويتصرّف وكأنه ما زال يمسك بالسلطة في عموم سورية، لا أسيراً لدى من يحميه ويبقيه على كرسي قصر المهاجرين في دمشق، لا سلطة له لا على الجنوب، ولا في الشمال. إنه يبحث اليوم عن شرعية مزعومة في صناديق الاقتراع، وليس عبر المبايعة أو الاستفتاء كما جرت العادة في سورية البعث، وفي ظل كل أنظمة الاستبداد في المنطقة العربية عقودا، فهو الآن يجهد في تحضير حملته الرئاسية، مرتكزا على عوامل ثلاثة، أولها، بطبيعة الحال، الأمني، بإعادة تشكيل القطاعات العسكرية التي بات ولاء بعضها لإيران وبعضها الآخر لروسيا، وقام بتعيين قائد جديد للقوات الخاصة، مستعينا بأبناء الحرس القديم. والعامل الثاني هو الإعلام الذي يحاول استمالته وتوظيفه عبر الاستعانة بإعلاميين غير سوريين، وبخاصة لبنانيون يدورون في فلك محور الممانعة، في محاولةٍ لإبعاد شبهة تبعيتهم للنظام. والعامل الثالث الأهم والمفصلي هو خوف الأسد من أن تؤدّي الانتخابات الرئاسية التي يحاول أن يجدّد شرعيته منها، إلى أن تجعل منه رئيسا على جزء من سورية، في ظل عدد من مناطق النفوذ الخارجة عن سيطرته، كمناطق الإدارة الذاتية، وفي الشمال حيث تسيطر تركيا، وكذلك في الجنوب، فأرسل وزير خارجيته الجديد فيصل المقداد إلى موسكو، ليقنعها بمساعدته في منع إجراء الانتخابات في شمال غرب سورية وريف إدلب، وفي الجنوب، وفي المناطق الكردية التي تسيطر عليها وتديرها "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد). ويبدو أن النظام يحاول إغراء الوصي الروسي بأن يختار المرشح المعارض لمنافسة الأسد على الرئاسة، تمهيدا منه ربما بأن يصبح هذا المنافس رئيسا لمرحلة ما بعد الأسد. 

تحوّلت الساحة السورية إلى ساحاتٍ للمواجهة، ليس فقط بين طهران وواشنطن، وإنما أيضاً مع موسكو وأنقرة وتل أبيب

ولكن أحلام الأسد ستبقى مجرد أوهام، هذا إذا لم تتحوّل إلى كوابيس، لأن حسابات القيصر الروسي بوتين مغايرة، لأنه لا يملك ترف إضاعة الوقت، بعد المغامرة الأكثر كلفةً بالنسبة لموسكو سياسيا وعسكريا وماديا واستراتيجيا، لتدخلها في الشرق الأوسط. كما أنه عندما قرّر التدخل العسكري قبل خمس سنوات لإنقاذ الأسد لم يكن يراهن عليه، ولا على نظامه المتهالك، وإنما كفرصة تسمح له في استعادة دور الاتحاد السوفييتي السابق، وتثبيت رجليه في بلد استراتيجي بالنسبة لنفوذه في المنطقة، فيما كان رئيس أعظم وأقوى دولة، باراك أوباما، يتردّد في خياراته، ثم يقرّر الانسحاب من أي دور في سورية، مفضلا توقيع الاتفاق النووي مع إيران في صيف 2015، أي قبل تدخل روسيا العسكري بشهرين. ثم جاء ترامب ليقلب الأمور رأسا على عقب، ويعيد الاتفاق النووي إلى نقطة الصفر، ويفرض واقعا جديدا ليس على بوتين فحسب، وإنما على خلفه في البيت الأبيض، فإيران اليوم محاصرة بالعقوبات واقتصادها ينزف، على الرغم من نفسها الطويل. وانتقل العراق، مع حكومة مصطفى الكاظمي، إلى تحت المظلة الأميركية، ولبنان، الذي يتخذ منه حزب الله قاعدة ومتراسا، مشلولٌ ومكشوفٌ من دون حكومة منذ نحو خمسة أشهر، وهو اليوم على شفير الانهيار. أما النظام السوري فهو محاصر بعقوبات وقوانين مقاطعة ومحاسبة تقطع أوصاله وتحبس أنفاسه بين "قانون قيصر" الذي يفرض عقوبات على الجهات والأشخاص الذين يتعاملون مع النظام أو يقدّمون له أي مساعدة، و"قانون ماغنيتسكي" الذي يخوّل الحكومة الأميركية فرض عقوباتٍ على منتهكي حقوق الإنسان. أما السيادة فهي برّا موزّعة بين روسيا وأميركا وتركيا وإيران، وجوا لإسرائيل. وقد أصبح الجزء الذي يحكمه بشار لا يوازن ثقل جولة من جولات التفاوض القادم بين موسكو وواشنطن التي تريد أن تضع ثقل الملالي في الميزان!