علاج الفقد في زمن الجائحة

علاج الفقد في زمن الجائحة

17 يناير 2022

(علي عمر الرميص)

+ الخط -

أقيمت الأسبوع الماضي (10 يناير) محاضرة في علم النفس عن "فقد عزيز على القلب"، أهميتها وراهنيتها في موضوعها الذي ينسجم مع كثرة الأعزاء والأصدقاء الذين فقدناهم بسبب جائحة كورونا. وهو ما عكسه الحضور الذي فاضت به الساحة المفتوحة لمكتبة بيجس (الأوراق) في مسقط، وهي مشروع مقهى ومكتبة تملكه وتشرف عليه الصحافية والكاتبة بدرية العامري وعائلتها الصغيرة.
ألقت المحاضرة الطبيبة النفسية، وفاء البوسعيدي، وهي من المتخصصات العربيات اللواتي تستقبل محاضراتهن النفسية تفاعلاتٌ مهمة، كما أنها تلقي محاضرات في أكثر من فضاء عربي ودولي. وقد اتسمت المحاضرة بالعمق في استعراض المدارس النفسية في تعاملها مع ثيمة الفقد، ومدى التطور الذي حصل في هذه الجزئية ابتداء من مدرسة فرويد التي تذهب إلى ضرورة القطيعة مع الميت نهائيا، ومسح أي ذكرى له في حياتنا من أجل التخلص من ألم الفقد، إلى مدارس أحدث برهنت على استحالة ذلك، فالميت يظل حيا معنا، ولذلك يجب إيفاؤه حقه من الذكر. وتذهب المحاضرة، وفقا لآخر مستجدات علم النفس في التعامل مع الفقد، إلى ضرورة أن نترك للفقيد مساحة واسعة من حياتنا للحديث عنه وذكره، حتى يتحوّل الفقد إلى حالة حيّة تستحق العناية، ما سيجعلها مع الوقت، حالة مقبولة وطبيعية، إذا اعتبرنا أن الموت، في أساسه، جزء طبيعي من الحياة.
تطرّقت الطبيبة كذلك إلى أن من الحالات الصعبة التي يمرّ بها أحبة الفقيد وأهله ما يسمّى في علم النفس بالإنكار، حيث يظل المقرّبون من الفقيد يُنكرون غيابه، ويتعاملون مع الأمر كأنه غير حقيقي، ويرفضون تصديق أنه لم يعد موجودا بيننا، وخصوصا بعد الوفيات المفاجئة التي أحدثتها جائحة كورونا لمعارف وأقارب في منتصف أعمارهم، وقد رحلوا فجأة، وليس بيننا من لم يفقد قريبا أو صديقا أو عزيزا. شخصيا، رحل أكثر من قريب لي فجأة، وكانت أيام معدودة بين آخر لقاء لي به وغيابه المفاجئ. والغريب أنه لقاء لم يحمل ما يفيد بأنه لقاء أخير. حين أستحضر أن الراحل كان في كامل شابه وقوته وعنفوانه، ولم يترك أدنى إشارة إلى فقدانه فجأة، وفي أيام قليلة.
وجاءت الطبيبة على ضرورة ترك أهل الفقيد يتحدّثون عنه من دون أن نقاطعهم أو نقلل مما يقولون، فالحديث عن الميت ومحاسنه، بحد ذاته، علاج مهم، يساهم، مع الوقت، في التخفيف من حدّة الفقد، ويمنح الحالة بعدا واقعيا بدل حالة الإنكار والصمت التي تفاقم الشعور على المدى البعيد، خصوصا حين يتحد الإنسان مع نفسه ويعيش عزلته، وذلك لأن الفقيد لا بد أن يظهر، بصورة أو أخرى، في حياتنا سواء عبر آثاره وعلاماته الدالة عليه التي تركها في حياتنا أو من خلال الحلم الذي تصعب السيطرة عليه وتوجيهه. وهو ما يحدُث بطبيعة الحال مع معظمنا.
وبذلك دعت المحاضرة الجميع إلى الحديث بحرية، ومن دون خوف، عن الأعزّاء الذين فقدناهم، وهو ما حدث في نهاية المحاضرة، حين فتحت الطبيبة المجال لمن أراد أن يتحدّث عن عزيز له فقده. ولقيت الدعوة تجاوبا من الحضور. وكان في ذلك سانحة لتسريح الأحزان وتخفيف أثقالها. لنكتشف من بين الحضور ممن كتب قصة ودبّج رواية، وهو ما شجعت عليه الطبيبة كثيرا، بل إن بعضهم لم يستطع التخلص من ثقل الفقد إلا بعد أن كتب مجموعة قصصية كاملة عن الفقيد، وهو ما فعلته مثلا الكاتبة شريفة التوبي مع ذكرى قريبة لها، حين ألفت مجموعة قصصية أطلقت عليها عنوان "سعاد"، وربما كانت هذه الخطوة سببا في أن تحترف الكاتبة الأدب، حيث فازت أخيرا روايتها الأولى "سجين الزرقة" بجائزة الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء.
يستند الباحث المغربي، سعيد ناشيد، في كتابه "الطمأنينة والفلسفة"، إلى مقولات غربية وعربية كثيرة منذ اليونان، ومن أفكار يوردها فكرة الموت المبكر، حيث شبّه الحياة بمسرحية، فهناك من ينهيها في فصل واحد، بينما يظل آخرون يؤدّونها حتى نهاية الفصل الأخير، وفي ذلك كله دلالة بليغة.