عربي يتذكّر يناير وأخواتها

عربي يتذكّر يناير وأخواتها

27 يناير 2022
+ الخط -

في ذكرى اندلاع ثورة 25 يناير في العام 2011 في مصر، وقبلها ثورة تونس التي مثّلت مفاجأة غير متوقعة، على الرغم من كل ما كان يعانيه الشعب التونسي في ظل النظام القديم، علينا أن نجد سبيلاً يمكن من خلاله تقييم نتائج ثورات الربيع العربي، لعله يوفر لنا طريقة لاستشراف المستقبل العربي. لا بد من وجود معايير للحكم على كل ما جرى، وما يزال يجري، خصوصاً وسط التداعيات التي ما تزال مستمرة، في مصر وتونس وليبيا وسورية واليمن.

قبل عدة سنوات من اندلاع الربيع العربي، رأى المفكر برهان غليون أن العالم العربي يتعاطى مع العالم ليس من خلال تنامي المبادلات العلمية والتقنية والتجارية وتطوير التعاون مع الدول الأخرى، كما هو حاصل مع عديد من أمم الأرض، وإنما من خلال الحروب التي هدفت إلى استخدام موارد العرب الطبيعية والجيوسياسية لصالح الدول العولمية الكبرى، بمعنى أن العرب تعوْلموا سلبياً، أي باتوا جزءاً من العالم لا بصفتهم أحد أطراف التنافس أو المشاركة، بل بوصفهم الطرف الذي يُتنافس عليه، ولهذا فإنهم لم يستفيدوا من التعاون الإقليمي والدولي، معتبراً أن التحدّي الرئيس أمام العرب، وهو العمل لتغيير موقعهم في العالم، مشروط بتحقيق ضرورتين: التكتل الاقتصادي، وتأهيل المجتمعات العربية اجتماعياً وسياسياً وعلمياً وثقافياً للتعامل مع معطيات العصر، لأن النظم المجتمعية العربية، السياسية والاقتصادية والتعليمية والدينية والثقافية والإعلامية والعسكرية، حوّلت المجتمعات العربية إلى جثث هامدة لا وعي لها ولا إرادة ولا شعور ولا حياة.

مسألة "الثقافة الدينية" التي يسمّيها بعضنا "الإصلاح الديني"، هي واحدة من القضايا الأساسية في تطوير منهجية التفكير في العالم العربي

وهكذا يكون علينا، بعد مرور كل هذه السنوات، ملاحظة تلك النتائج المريعة التي باتت قائمة بعد ثورات الربيع العربي، إذ ليس ثمّة معيار للحكم على إيجابية تلك الثورات من سلبيتها، إلا بمدى تحقيقها أو إخفاقها في تحقيق تأهيل المجتمعات العربية اجتماعياً وسياسياً وعلمياً وثقافياً، والانتقال بالعرب من موقع المُتنافس عليه إلى موقع الشريك في التعاون الإقليمي والدولي، على قاعدة من التكتل الاقتصادي العربي، وهي الشروط التي تبدو اليوم، بعد سنوات من اندلاع الثورات العربية ضد الاستبداد، بمثابة أحلام خارجة عن سياق الأحداث، وأوهام ليس من الواقعية انتظار تحققها.

أما على صعيد مساهمة الثورات في تأهيل المجتمعات العربية، وهي مساهمة كان يمكنها أن تتحقق كردة فعل مجتمعية داخلية تتفاعل مع الأمل الذي زرعته الثورات، يتعلق الأمر بالقدرة على الخلاص من الأزمة الثقافية التي تعيشها المجتمعات على مستويي: الروابط والعلاقات فيما بينهم، منهجية التفكير. قبل الربيع العربي، كان الاعتقاد أن التخلص من الاستبداد أولى من تطوير الروابط الاجتماعية (لصالح التخلص من العلاقات العصبوية)، وتطوير منهجية التفكير (لصالح إحلال التساؤل محل تكرار المحفوظات)، باعتبار أن زوال الاستبداد شرط لتحقيق ذلك التطوير. لكن الربيع العربي أثبت أن التخلص من الاستبداد قبل التخلص من حالة التخلف القائمة، سيعني أحد أمرين: وضع التخلف في السلطة محل الاستبداد، أو الإتيان باستبداد جديد تحت اسم مختلف.

أليس من مظاهر إحلال التخلف محل الاستبداد ذلك الظهور غير المشرّف عقب ثورات الربيع العربي، لحركات تدّعي تمثيل الإسلام والانتساب إليه، والسعي إلى إقامة "دولة إسلامية"، تمثل الإسلام وتدافع عنه، وتتمثل دول المسلمين القوية الأولى التي كانت حاضرة في عالمها، ولها مكانتها تحت الشمس، سبيلها إلى ذلك استدعاء نموذج تاريخي متخيّل وتقليده؟! حين يحل التطرّف الفكري محل الاستبداد، فإننا ننتقل من أزمة إلى أخرى في المضمار الحضاري، لكننا لا نتجاوز أزمتنا الحضارية أبداً. إننا ندور في حلقةٍ مغلقةٍ من التأخر الحضاري، بين الاستبداد والماضوية والاستبداد البديل.

عبرنا السنوات، منذ اندلاع الربيع العربي، من دون أن نضع أقدامنا على الطريق الصحيح لتحقيق الضرورتين السياسية والاجتماعية

وهذا يعني أن مسألة "الثقافة الدينية" التي يسمّيها بعضنا "الإصلاح الديني"، هي واحدة من القضايا الأساسية في تطوير منهجية التفكير في العالم العربي. صحيحٌ أنها ليست كل شيء، لكنها وبسبب من الحضور الأساسي للإسلام في الثقافة العربية، ووجود الجمهور العريض المتدين من الناس، تبدو قضيةً ذات أولوية. لكن، ما دامت هذه المسألة عامة، لكونها تمسّ الجانب الحضاري للعرب جميعهم، سيكون ضرورياً إعادة النظر في ما هو مقبول لبعض الناس، أفراداً وجماعات، من استعمال لاسم "الإسلام"، وكأنه خاصّ بهم وحدهم، سواء من خلال إلصاق اسم "الإسلام" بأسماء أحزابهم وحركاتهم وجماعاتهم السياسية، أو حتى إلصاقه باسم استثماراتهم التجارية من مدارس ومستشفيات وبنوك وأصناف طعام. إذ كيف يمكننا تطوير منهجية التفكير بالإسلام باعتبارها مسألة ثقافية عامة، من الماضوية إلى المعاصرة، بينما يُسمح لبعضنا أن يدّعي أمام عامتنا أنه هو من يمثل الإسلام ويحقّ له استعمال اسمه في معاملاته؟!

لكن مهلاً. ليس الطرف الآخر في الثقافة العربية اليوم أحسن حالاً، ولا تتمثل المشكلة في الفكرة الدينية التي يتذرّع بها أولئك المتطرّفون، بل في المفاهيم الثقافية التي تتحرّك فيها الأفكار الدينية واللادينية معاً. ثمّة ظن رائجٌ مفاده بأن هؤلاء الذين تذرّعوا بالتاريخ لممارسة نفي الآخر، يتوفرون حصرياً على لوثة فكرية متطرّفة. لا! فاللوثة تنبع من فكرة نفي الآخر، لا من الأيديولوجيا التي يتبنونها، وهم إنما يلبسون لوثتهم الفكرية لباساً دينياً، لا العكس. واقع الأمر أن غير الدينيين يتوفرون على اللوثة نفسها: هم كذلك يودّون لو ينفون كل آخر، ويتعاملون معه بتطرّف، لكن الفرق أننا لا نعيش المرحلة التاريخية التي يمكن أن يتبدّى فيها تطرّفهم. وهذا يعني أن المعايير المناسبة للحكم على ما يجري حولنا في المجتمعات العربية يتعلق بمدى تغيير تلك الثقافة الإقصائية المتطرّفة، ويتساوى فيها أدعياء الانتساب إلى الدين وإلى اللادينية.

لقد عبرنا كل هذه السنوات، منذ اندلاع الربيع العربي، من دون أن نضع أقدامنا على الطريق الصحيح لتحقيق الضرورتين، السياسية والاجتماعية. والحال أننا أمام مأزقٍ مركّب تماماً؛ لا يخصّ الأنظمة وحدها، كما لا يختصّ بالمجتمعات بما فيها من تربية وتعليم وأفكار ومفكّرين، بمعزل عن القرار السياسي الذي يديرها.