صناعة اللابديل

صناعة اللابديل

21 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

تلجأ بعض الوحوش من الذكور التي تقود القطعان إلى قتل صغارها من دون رحمة، حتى أمهات تلك الصغار لا يستطعن إنقاذهم، وتجد الأنثى منهن نفسها بعد ذلك مضطرّة لمعاشرة ذلك الذكر الذي قتل صغارها والحمل والإنجاب منه. الدافع الوحيد لذلك الفعل الشنيع الذي تقوم به تلك الوحوش هو الخوف من ظهور البديل، والقضاء عليه مبكّرا، قبل أن يصبح قادرا على الحلول مكانها. هذه الغريزة البهيمية تمارسها الأنظمة القمعية الديكتاتورية مع شعوبها حرفيا، حيث تتخلص الطغمة أو الحزب أو الجماعة الحاكمة من الشخصيات أو القوى السياسية المحتملة بديلا لها بشكل ممنهج، بحيث يحصل فراغٌ لا أحد يستطيع ملأه سواها. وعندما يأتي اليوم الذي يحين فيه استبدالها بسبب فقدانها الصلاحية لممارسة السلطة، تكتشف الشعوب أن لا بديل لهذه الطغم في قيادة البلد، وتجد نفسها مضطرّة للقبول بالأمر الواقع على علّاته. ويترافق افتراس الطغم الاستبدادية البديل المحتمل مع تربية بدائل مزيفة، غير صالحة للاستخدام في حال فسح المجال لها لفعل ذلك، وبالتالي إثبات مقولة عدم وجود البديل.
يأخذ شكل افتراس الطغم الاستبدادية البديل مظاهر متعدّدة، تبدأ بتدجين الشخصيات والقوى السياسية وترويضها، بحيث تصبح المقولة الشعبية "الذي يتزوج أمي يصبح عمي" شبه نظام داخلي، يحكم سلوك تلك القوى أو الشخصيات. وبدورها، تقوم هذه القوى، منظماتٍ وأحزابا وشخصيات، بتدجين جماهيرها وأنصارها، وتنتفي إمكانية تحولها إلى بديل، عندما يلزم ذلك، وتجد نفسها عند الأزمات، وقد أصبحت أبواقا وطبولا للطغم التي دجّنتها. وفي حال خرجت جماهيرها عن طاعتها، ستجد هذه الجماهير نفسها مشتتة غير قادرة على طرح برنامج بديل يجمعها، أو ستجد نفسها في أحضان البدائل المزيفة التي صنعتها تلك الطغم، بينما تبقى قيادات تلك القوى دليلا على وجود الديمقراطية المزيفة، مثل كل شيء مزيف عند تلك الطغم. المظهر الثاني الذي تتبعه السلطة المستبدة مع من هم غير قابلين للتدجين، لا يختلف عن الافتراس الحقيقي وحشيةً، حيث تقوم بالقضاء المبرم على القوى والشخصيات التي لا ترضخ للتدجين، وتدمّر آليات وجودها وعملها، بحيث لا تقوم لها بعد ذلك قائمة، وإذا تمكّنت بعض أشلاء هذه القوى، يوما ما، من التقاط الأنفاس، فإنها ستكون منهكة ومحطّمة، وربما بسبب عزلتها الطويلة، منفصلة عن الواقع، ولا تصلح للقيام بأكثر من ضجيج إعلامي، وسرعان ما ستفقد بريقها، وتخرج من حلبة اللعبة السياسية، أو تبقى غبائر تثيرها زوابع صغيرة على الهامش، لا تأثير لها على المتن إطلاقا. أما البدائل المزيفة التي تصنعها الطغم لإثبات أحقيتها وعدم وجود البديل، فغالبا ما تتشكّل من حثالاتٍ، تربّت تحت جناحها على شكل مفكرين ومثقفين أو اقتصاديين أو غير ذلك، تشكل معارضة وهمية، سرعان ما تثبت جدارتها بإقناع الجماهير والمراقبين الخارجيين بعدم وجود البديل، أو تلعب دور المحاور المُروّضِ مسبقا لتقديم صورة محسّنة للطغمة التي تظهر كمؤسسة قادرة على حوار المعارضين لها. وقد تصنع السلطة المستبدة شخصيات معادية بالفعل لها، ولكنها غير مؤهلة للقيادة، لكي تكون على رأس قسم من الجماهير تُضمر عداءها للسلطة، سرعان ما تقود هذه الجماهير إلى الخراب، وتثبت أيضا عدم وجود البديل لها.
السلطات المستبدّة، تحاشيا لولادة أي بديل محتمل، تكاد تضع كل مواطن من مواطنيها تحت رقابتها، وتجمع عليه القرائن التي تصل أحيانا إلى فراش نومه، بحيث تستطيع تحطيمه في أية مرحلة قد يسطع نجمه فيها، وتشعر بأنه قد يكون مشروع بديل.
ولكن السلطات المستبدّة، في سعيها إلى إفراغ الساحة السياسية من البديل بشكل مؤبد، تنسى أن تتعلم من التاريخ أن الجماهير التي تضطر للصبر والتحمّل سيأتي يوم لا تعود فيه قادرةً على الصبر وعلى التحمّل، وستجد نفسها مستعدّة لإجراء التغيير المنشود، حتى لو لم يكن هناك بديل، أو ستقبل بأي بديل، وستحدث الفوضى المرافقة للانهيار، وهذه الفوضى ستخلق البديل. لا توجد في العالم سلطة بلا بديل، فالضرورة دائما تصنع البديل.