شاكر عبد الحميد .. روح مصر العاقلة

شاكر عبد الحميد .. روح مصر العاقلة

22 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

رحل، الخميس 18 مارس/ آذار الجاري، الأكاديمي والناقد المصري، شاكر عبد الحميد، بعد إصابته بفيروس كورونا، وكان رحيله مفاجئا، فامتلأت "شوارع" في وسائل التواصل الاجتماعي (إن صح التعبير) بالسواد، وبنبرات الحزن ومفاعيل الصدمة. ترك الراحل، إلى جانب سيرته الاجتماعية الطيبة، مؤلفات قيمة في علم نفس الإبداع، وهو الاختصاص الذي اختطه في تفكيره وعمله الأكاديمي، بل وأسس قواعده العربية من خلال كتابه التأسيسي "علم نفس الإبداع"، وبذلك قدح زناد مساقٍ جديد، صار له مريدوه وممتهنوه في عالمنا العربي، يمكن، على سبيل المثال، ذكر الأكاديمي المغربي حسن المودن.
امتازت مؤلفات شاكر عبد الحميد، في هذا المجال، بالموسوعية، وخصوصا المؤلفات المهمة التي صدرت عن سلسلة عالم المعرفة في الكويت، ككتابي "الغرابة: المفهوم وتجلياته" و"الخيال: من الكهف إلى الواقع الافتراضي"، وهي بحوث قيّمة تدلل على علو كعبه في مجاله ووعيه بأهميته. لم يكتف بالبحث في لغته العربية، وإنما نقل إليها عدة كتب قيمة، في تأمل الصورة والنص والأنثربولوجيا والأساطير وغيرها، ومن أهم ما ترجم كتاب "الأسطورة والمعنى" الذي يوضح فيه واضع علم الأنثربولوجيا البنيوية، الفرنسي كلود ليفي شتراوس، أنه لا توجد قطيعة بين العلم والأسطورة، بل على العلم أن يبحث عن الحقيقية في كل ما يراه أسطوريا. ولا يُنسى حديثه الذي فاجأ العالم في ما يتعلق بالعين المدرّبة. ولاحقا ترجم كتابا في غاية الفائدة والمتعة، وهو دراسة أسلوبية في مراتب الضوء في الإبداع، حمل عنوان "قبعة فيرمير" للكندي تيموثي بروك، وهو بحث في لوحات الفنان الهولندي فيرمير، أحد فناني القرن السابع عشر، ومن أشهر لوحاته "الضابط والفتاة الضاحكة"، وقد صدر الكتاب عن مشروع كلمة في أبوظبي عام 2012، ووضع له شاكر عبد الحميد مقدّمة رصينة تنم عن اجتهاد، حين توصل إلى أن أول من التفت إلى تقنية "الغرف المظلمة" هو العالم والفيلسوف المسلم، الحسن بن الهيثم.
وإذا كان الراحل على مستوى البحث يعتبر عالما في مجاله، وهو على المستوى الاجتماعي كذلك، يمكن أن نطلق عليه قطبا يجذب حوله كل الفرقاء على نقائضهم. وذلك بما يتمتّع به من روح مصرية أصيلة، وبابتسامته التي تسبقه وسماحته الظاهرة على محياه، وكذلك لما تميز به من كرم اجتماعي ملفت. وأتذكر في أثناء إقامته في مسقط، أستاذا في جامعة السلطان قابوس، أنه لم يكن منعزلا بين الجامعة وفيلات المدرسين الملحقة ضمن حرمها، بل كان يغادر أسوارها، ولا يهتم بكل تلك العزلة، ويخترقها بالالتقاء بالفنانين والمبدعين العُمانيين من مختلف الأعمار. كانت روحُه أقرب إلى روح الشاعر، فحتى الذين يراهم أول مرة يُشعرهم، بطريقة من الطرق، بأنه يعرفهم. وأتذكر لقائي به أول مرة، حين كنت عائدا من الدراسة في المغرب. عرّفني به الصديق القاص العُماني، يحيى سلام المنذري، حين فوجئت منه بأنه قرأ لي قصصا، وأنا لم أنشر بعد كتابا، لأكتشف أنه ترأس تحكيما لمسابقةٍ نظمها النادي الثقافي في مسقط، وقد شاركت فيها بمجموعتي الأولى مخطوطا.
توالت الكتابات في سائل التواصل الاجتماعي عن الراحل، وكان بعضها يرقى إلى مستوى المقالة، كما فعل صديقه حسين حموده، حين كتب مقالا تأثريا فوريا بعنوان "شاكر عبد الحميد مسيرة المحبة"، مفصلا فيه علاقته الخاصة بالراحل، وموردا مواقف تدل على مكانته الكبيرة في قلوب أصدقائه وطلبته. وهو ما فعلته الشاعرة الإماراتية المقيمة في القاهرة، ميسون صقر، والشاعر والناقد العراقي، علي جعفر العلاق، وكثيرون يصعب هنا حصرهم وحصر أهم ما كتبوا في نعيه. ولكن جميع الكتابات تدل على أن الرحيل كان مفاجئا لعالمٍ أمضى الشطر الأعرض من حياته في التأليف والترجمة، ناهيك عن المقالات الكثيرة، وفي مجالات مختلفة، كالفلوكلور والسخرية والإدمان والواقع الافتراضي، ما يؤكّد أنه كاتب مهموم ومشغول في تأمل جوانب عديدة في الحياة، على شاكلة ما كنا نراه عالميا عند الكاتب الفرنسي رولان بارت.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي