سعيد الكفراوي .. قصة لا تنتهي

17 نوفمبر 2020
الصورة

سعيد الكفراوي .. الوفاء للكتابة والقصة القصيرة

+ الخط -

كم مرةً سمعتَ عن ابن قريةٍ هاجر إلى المدينة وسكنها، لكنها لم تسكنه، وظلت قريته معه، يحملها قدر ما حملته؟ كم مرةً سمعت عن مثقفٍ في بلادنا اعتقلوه في قضيةٍ واحدة بتهمتين متناقضتين وباطلتين، إحداهما أنه شيوعي، لأن أصدقاءه شيوعيون، والأخرى أنه من الإخوان المسلمين، لأن أقرباءه منهم؟ كم مرة سمعت عن حكايات جيل الستينيات، جيل الحلم القومي الذي رأى الهزيمة مرّتين، مرّة في 1967، وأخرى في الانفتاح العشوائي وصعود السلفية ومعاهدة كامب ديفيد، وعاش بعضهم ليراها مرّة ثالثة في إخفاقات الربيع العربي، بعد أن ظنّ، كل الظن، أنها ذهبت إلى غير رجعة!
هذه هي قصة سعيد الكفراوي الذي رحل عن عالمنا يوم السبت الماضي، وهي قصة من سبقوه ومن لحقوا به من أجيال الثقافة المصرية. فلاح مصري من قرية كفر حجازي في المحلة الكبرى. مواليد عام 1939. ظهر اهتمامه بالأدب في ستينيات القرن الماضي، كتب القصة القصيرة، وعرض ما يكتب على زملائه في قصر ثقافة المحلة، أيامها كان لدينا في مصر قصور ثقافة بالمعنى الحقيقي، حواضن أدبية وفكرية، يكفيك أن تعرف أن زملاءه، من بلدياته المحلاوية، كانوا: نصر حامد أبو زيد، وجابر عصفور، وجار النبي الحلو، ومحمد المنسي قنديل وآخرين.
هاجر الكفراوي، هو ومن معه، إلى القاهرة، ذهبوا يبحثون عن مساحاتٍ أوسع، وآفاق أرحب، ومعرفةٍ أعمق، والتقوا بأقرانهم، القاهريين والآخرين القادمين من كل مكان في مصر، عبد الرحمن الأبنودي، وأمل دنقل، ومحمد عفيفي مطر، ويحيى الطاهر عبد الله، وإبراهيم أصلان، وجمال الغيطاني، والتفوا جميعاً حول المعلم الكبير نجيب محفوظ، في مقهى ريش، وشكلوا معاً ملامح الكتابة الجديدة في ذلك الوقت، شعراً ونثراً. 
ذهب الكفراوي إلى مجلة "المجلة"، وقابل رئيس تحريرها الأديب يحيى حقي، وعرض عليه قصة للنشر، فنظر حقي إلى جلبابه الريفي وطاقيته، وسأله ساخراً: هل تظنّها نشرة داخلية، ألا تعرف من يكتب في هذه المجلة؟ ردّ الكفراوي واثقاً: بلى أعرف. طلب منه حقي أن يقرأ قصته، قرأها مرتين، تحمّس حقي، وأخبره أن له "حسّاً" مختلفاً في التعبير عن الريف، ونشر له.
أخلص الكفراوي لفن القصة القصيرة، على الرغم من انصراف كل أبناء جيله إلى الرواية. ورأى أن القصة أخت القصيدة، وأنها منافس قوي للرواية، وأصدر اثنتي عشرة مجموعة قصصية. كان الموت شاغله الأكبر، والقرية هي "تيمته"، وهويته، وعنوانه الإبداعي. واجه الحياة بالموت، وواجه المدينة بالقرية، وواجه الانحيازات الأيديولوجية المغلقة بالانحياز المطلق إلى جماليات النص الأدبي.
تعرّض الكفراوي للاعتقال العشوائي في آخر عهد جمال عبد الناصر. وحين خرج روى ما حدث له لأستاذه نجيب محفوظ، فحوّل محفوظ قصته إلى رواية "الكرنك" التي تحولت فيما بعد إلى فيلم سينمائي، وجسد شخصية الكفراوي الفنان نور الشريف. أما قصته مع أنور السادات، فآثر أن يكتبها بنفسه، قصة فلاح مصري، هو مطاوع أبو العزايم، استشهد ابنه في حرب أكتوبر، ونال وساماً، لكنه رأى السادات فيما بعد يضع يده في يد من قتلوا ابنه. أرسل مطاوع "تليغراف" إلى السادات يخبره بأنه يريد مقابلته لأمرٍ يتعلق بأمن البلاد وأمنه هو شخصياً، فأرسل إليه السادات رجال الأمن ليستجوبوه، رفض مطاوع التحدّث إليهم، وأرسل "تليغراف" آخر، وثالثاً، ورابعاً. ولم تفلح كل محاولات الأمن في استنطاقه، وافق السادات وقابله، فإذا بالفلاح المصري يحذر السادات، وينهاه: "لا تصالح"! كتب الكفراوي القصة وهو خارج مصر، ونشرها في مجلةٍ لا تصدر في مصر، وتحوّلت القصة إلى فيلم صُوِّر في قرية في العراق، وقام بالتمثيل فنانون مصريون يساريون، لجأوا إلى العراق، لمعارضتهم السادات، (كرم مطاوع وسهير المرشدي وعبد الرحمن أبو زهرة وآخرون)، حتى الكومبارس كانوا من العاملين المصريين في العراق.
أجمل ما سمعت منه، رحمه الله: "هذه بلد يتناوب على حكمها الطغاة والمستبدون فيما ينشغل أهلها عبر التاريخ بالزراعة والكتابة والنحت وصناعة الحضارة".

3FE3B96A-2A94-45F9-B896-FDC0381B3B7F
محمد طلبة رضوان