سباق المسافات الإثيوبية الطويلة

سباق المسافات الإثيوبية الطويلة

13 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

ليس اكتشافاً للعجلة، ولا ضرباً من ضروب المبالغة، القول إن إدارة إثيوبيا ملف سد النهضة، تماثل النهج التفاوضي الإسرائيلي، بكل حذافيره المعلومة لكل ذي علمٍ بسيط، وإن سياسة كسب الوقت وفرض الحقائق، ناهيك عن المراوغة التي اتبعتها الدولة العبرية، على طول الخط، إزاء الفلسطينيين، هي السياسة الإثيوبية ذاتها الجارية فصولاً مع كل من مصر والسودان، إلى حدٍّ يمكن معه القول إن أديس أبابا وتل أبيب ينهلان من معين تكتيكي واحد، أو أنهما خريجتا مدرسة واحدة.
فأنت حين تدخل إلى المطبخ السياسي الإثيوبي، وتستعرض مكونات وجبة العشاء الساخنة، تشمّ الروائح العابقة، وتتذّوق الطعام بطرف اللسان، تقول في نفسك: يا إلهي، لقد خبرت هذه الأكلة من قبل، وشبعت منها حد الامتلاء، كما وأنت تقرأ ما هو مكتوب على جدار سد النهضة، بالخط الأحمر العريض، تقول لنفسك أيضاً إنك شاهدت كلاماً بهذا المعنى على حائط المبكى، وحفظته عن ظهر قلب، منذ زمن بعيد، فكيف لي أن ازدرد طعاماً عافته نفسي من قبل، وأن يلتبس عليّ فهم ما قرأته، بلغةٍ أخرى، منذ مطلع الاحتلال البغيض؟
غير أن ما يثير الحفيظة ويدعو إلى الاستهجان ليس كل هذا التماثل حد التطابق، بين دولتين معاديتين ومتربصتين بالعرب على رؤوس الأشهاد، وإنما كل هذا التهافت والاستخذاء من جانب دولة في حجم مصر الراجح، ووزن جيشها المدجّج بأحدث ما في ترسانة الغرب والشرق من أسلحة حديثة (ومعها السودان) أمام دولةٍ ذات جيش أفريقي محدود الكفاءة والقدرات، تلقى قبل نحو شهر هزيمةً منكرةً على أيدي جبهة تحرير إقليم تيغراي، الأمر الذي يبعث على الدهشة، الممزوجة بالإحباط، ويرسم علامة استفهام كبيرة لدى الرأي العام.
إذا كان التهافت مفهوماً، وإن لم يكن مقبولاً، حيال دولةٍ تتمتع بفائض قوة، وإسناد أميركي بلا حدود، مثل إسرائيل، مبرّراً بعص الشيء، وجائزاً بقدر ما، وإذا كان هناك أيضاً ما يشرح علة الضعف الفلسطيني قبالة الاستقواء الإسرائيلي، ويسوّغ للعالم العربي إبداء كل هذا الانحناء قدّام العدو التاريخي، فكيف لنا أن نتفهم أسباب كل هذا التهاون، حتى لا نقول هذا الاستخذاء الشديد، مع دولةٍ مهلهلةٍ مثل إثيوبيا، تستخفّ بأي رد فعل محتمل من شريكيها في مياه النيل، وتتعامل مع غضبهما المشروع بكل ازدراء؟
ولعل المشهد البائس في مجلس الأمن قبل أيام خير شاهد إثبات على سوء أداء الدبلوماسية السودانية التي اعتبرت مجرّد انعقاد المجلس انتصاراً في حد ذاته (كيف ذلك بحقّ السماء؟) كما أن نتيجة الجلسة الطويلة، وغير اللائقة بحق شعب مصر، وقيادتها المتهاونة كثيراً، حتى الآن على الأقل، في شأنٍ يتعدّى مسألة الكرامة والسيادة، ليطاول امراً وجودياً لا يمكن التهاون به تحت كل الظروف، تؤكّد المؤكّد من جديد، وهو أن مجلس الأمن المخيّب للآمال، مجرّد منبر للعويل على اللبن المُراق، لم يسبق له أن أنجز حلاً لأزمةٍ ما.
وأحسب أن التساؤل الذي يلحّ على قلوب المصريين والعرب عموماً، سيما السودانيين هو: لمن أعدت القاهرة كل هذه العدّة من السلاح، الذي لم تكن تحوزه من قبل، لا في زمن محمد علي ولا في عهد جمال عبد الناصر؟ ولأي يوم كريهة، والحرب كريهة، تشتري مصر أسراب الطائرات القاذفة والمقاتلة، وتبني القواعد البرّية والبحرية، وتحذّر قيادتها من المساس بنقطة واحدة من حصتها المائية؟ ثم ماذا كانت الدولتان العربيتان ترجوان من مجلس الأمن أكثر مما كانتا ترجوانه من الاتحاد الأفريقي، وذلك بعد أن شرعت إثيوبيا في التعبئة الثانية من دون وجل على الإطلاق؟
من التعسّف القول إن إثيوبيا وإسرائيل وجهان لعملة واحدة، أو إنهما معاديتان وعدوانيتان بالدرجة نفسها، إلا أن من الإنصاف القول إن الضعف والهوان، وسوء التقدير، هو الحافز الرئيس لكل منهما على المضي في اللعبة الماجنة، إدراكاً منهما، ومن كل ذي بصيرة، حقيقة أن الضعف يشجّع على الاستقواء أكثر فأكثر، ويغوي باستخدام القوة التي تستطيع وحدها انتزاع الحق المزعوم، والدفاع عنه بالباع والذراع، إن لم نقل تصنيع ما يشبه الحق، وجعله أمراً واقعاً، يدافع عن نفسه بنفسه، تماماً على نحو ما تقصّه علينا، وتحفره في عمق أعماقنا غطرسة القوة الإسرائيلية الغاشمة.
ومع ذلك يظل السؤال الجوهري قائماً: هل نحن اليوم أمام مشهدٍ مُذلٍّ من سباق المسافات الإثيوبية الطويلة هذه المرّة؟

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي