رأسان في قبّعةٍ واحدة

10 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

مع أن أي انتخاباتٍ تجري في العالم، وإن على مستوى قطاع طلابي أو رابطة نسوية، باتت توصَف، تلقائياً، بـ"معركة انتخابية"، من أجل إضفاء مزيد من الأهمية على المباراة الافتراضية، وإضافة جرعة من الحماسة والإثارة لدى اللاعبين وجمهور المتفرجين على المدرجات وأمام الشاشات، إلا أن الانتخابات الرئاسية الأميركية الجارية فصولاً بعد، تستحق اسم "المعركة" بأل التعريف، وينطبق عليها هذا التعبير المجازي المستعار من قاموس الحرب، بجدارة واستحقاق تامّين، ربما أكثر من أي معارك/ انتخابات/ مباريات جرت من قبل، بما في ذلك تصفيات ربع النهائي في منافسات كأس العالم.
بعد انقضاء يوم الانتخابات الطويل في الولايات الخمسين، بكل ما رافقه من إثارة وتوترات وتوقعات، ومرور ليالٍ بطيئة وثقيلة من الترقب والانتظار، ونهارات فرز مديدة ومضنية لأعصاب المرشحين والناخبين والمراسلين والدبلوماسيين والمراقبين في العالم بأسره، قبل حسمها في الصناديق، ها هي حرب دونالد ترامب الدونكيشوتية تنتقل من مراكز العد والفرز إلى ساحة القضاء، وسط سيل من المزاعم والاتهامات المنطلقة بلا عقال، عن حدوث تزوير وغش وتلاعب، لا سابق لها إلا في دول العالم الثالث، في تحوّل يزيد، بالضرورة، من حدة الاحتدام والانقسام، وقد يؤدي إلى تهشيم صورة إحدى أعرق الديمقراطيات.
وسط هذه المشاهد المضطربة، والمفتوحة على أسوأ الاحتمالات، وفي خضم طوفان الأخبار المتدفقة عن حالة بلد عظيم بكل المقاييس، بات يقف على شفير وضع داخلي منذر بشتى الأخطار، بما في ذلك وجود رئيسين يتنازعان الأحقية والشرعية الدستورية، استعدت من الذاكرة الغضة رواية صديقي الأثير، الراحل مؤنس الرزاز، تلك الصادرة قبل عقدين تحت عنوان "قبعتان ورأس واحد". وآلمني أن مؤنس لم يعد بيننا اليوم، ليرى أن شيئاً من نبوءته الروائية عن مرض الازدواجية قد بدأ يتحقق، كما أحزنني أن ذاك الفتى الموهوب قد مضى قبل الأوان، فلم يعد في وسعي استئذانه في تعديل العنوان السابق، إلى "رأسان في قبعة واحدة" على غرار ما سبق أن اقترحته عليه، في مراجعة نقدية استحسنها لروايته التي عنونتها "فاصلة أول السطر"، بدلاً من "فاصلة آخر السطر".
إلى أن تتمكّن الدينامية الأميركية من إزالة هذا التشويه المعيب الذي ألحقه ترامب بنظامها الديمقراطي، ومداواة هذا الجرح السطحي لمنظومة قيمية حصينة، تعرف كيف تدافع نفسها، وتصحّح الأخطاء التي تقع فيها، ها نحن نرى رؤية العين المجرّدة مدى عمق مظاهر الخراب، وتتجلى أمامنا شتى بواطن الخلل التي أوقعها "أزعر واشنطن" طوال ولايته اليتيمة، ليس فقط في قواعد اللعبة الديمقراطية المستقرّة في بلد العلم والحلم والقوة والفرص وحائزي أكبر عدد من جوائز نوبل، بل أيضاً في صورة الدولة العظمى، التي دفعها ترامب بكلتا يديه إلى مصاف دولة عالم ثالث، طوال أربع سنوات كانت كافية لتآكل المُثل الرفيعة، وتراجع المكانة الأميركية الملهمة، وتسخيف المبادئ التي طوّبت لها الزعامة العالمية.
وأحسب أنه في أشدّ الكوابيس الليلية قتامة، ما كان لأميركي، أبيض أو ملوّن، أن يرى في منامه طيف رئيس أحمق إلى هذا الحد، أرعن كل هذه الرعونة، يأبى الاعتراف بهزيمته في الانتخابات، يدمغ العملية كلها بالتزوير، ويرفض مغادرة البيت الأبيض، كذا من دون ذرّة من حياء، ويستقوي على النتائج والحقائق والدستور والقانون والمؤسسات بسياسة الإنكار، فضلاً عن ازدراء التقاليد الراسخة، ورفض الاحتكام إلى نتائج الاقتراع، وتداول السلطة بسلاسة، ومن ثمّة تسليم المفاتيح من دون سجال، وتهنئة الفائز علناً بالنجاح.
كانت أربع سنوات من عهد ترامب، بما شاع فيها من مظاهر عداء وكراهية وعنصرية عرقية بيضاء، ضد الأقليات والضعفاء والنساء والسود والمسلمين والإعلام والعلماء والأدباء وغيرهم، بمثابة حربٍ على روح أميركا بلد التنوّع والتعدّد والمهاجرين، على قدس أقداسها وسحر جاذبيتها على مرّ السنين، على ما في سرّها من عوامل دفعٍ لا تنضب، وقوى ناعمة لا تُجارى، الأمر الذي يُخشى معه استمرار هذه الحرب تحت الطاولة إلى أجلٍ غير معلوم، مع وجود عشرات ملايين الأميركيين العنصريين المتعصبين، ممن يركضون وراء ترامب بعماء بصيرة، ويصدّقون على سياساته العشوائية بلا نقاش، ويصدّقون ترّهاته، إن لم نقل يضفون عليه نوعاً من القداسة والرسولية، حتى إن قال لهم إن الشمس تبزغ من الغرب.

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي