حلف عسكري عربي صهيوني

21 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

تتسارع التغيرات في البيئة الاستراتيجية في المنطقة العربية على نحوٍ ينذر بميلاد واقع جديد شديد التعقيد. الكيان الصهيوني الذي كان أبناؤه ينشدون "من النيل إلى الفرات حدودك يا إسرائيل"، وكنا نسخر منهم، باتت حدوده اليوم "بلا حدود"، ليس بسبب هجوم التطبيع العربي عليهم فقط، بل بسبب استحقاقاته غير المرئية لمن ينظر إلى ما يبدو من جبل الجليد فقط.
من أهم ما حدث، بعد اتفاقات التطبيع التي كرّت كخرز المسبحة التي انقطع حبلها، ضم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إسرائيل إلى منطقة القيادة المركزية للقوات المسلحة الأميركية (سينتكوم)، المسؤولة عن الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وبررت الوزارة القرار، في بيان لها، بأنه "تم إدخال تعديلات على خطة القيادة الموحدة، منها نقل إسرائيل من منطقة عمليات القيادة الأوروبية للقوات الأميركية إلى منطقة عمليات القيادة المركزية، وذلك بعد اتفاقيات السلام بين إسرائيل وجيرانها العرب، ما وفر فرصة استراتيجية للولايات المتحدة لتوحيد الشركاء الأساسيين في مواجهة الأخطار المشتركة في الشرق الأوسط". وفي وسع المرء أن يضع مليون خط تحت تعبير "الأخطار المشتركة"، إذ إنه يشمل أي تغييرات قد تحصل في المنطقة العربية، من شأنها "تحرير" الشعوب العربية من ربقة "الاستعمار الوطني" الذي يربض على صدور هذه الشعوب، وإن كان المعلن هنا، أو ما يمكن أن يخطر بالبال، ما يسمى "الخطر الإيراني"، بيان البنتاغون يضيف، "إن إسرائيل شريك استراتيجي رائد بالنسبة للولايات المتحدة، وهذا سيوّفر فرصا إضافية للتعاون بين شركاء القيادة المركزية مع الحفاظ على التنسيق المكثف بين إسرائيل وحلفائنا الأوروبيين". كلام منمق مصوغ بعناية فائقة، لكنه يخفي في أحشائه سمّا زعافا وينذر بخطر داهم لأهل المنطقة العربية!

مع أنَّ الكيان الصهيوني محاطٌ بدول تقعُ ضمنَ مسؤولية القيادة المركزية الأميركية إلّا أنها كانت تُعتبر من مسؤولية القيادة العسكرية الأميركية في أوروبا

كتبت صحيفة "ذا هيل" الأميركية، في تحليلها القرار، إن التحوّل يعني أن إسرائيل ستنقل من القيادة الأميركية الأوروبية إلى القيادة المركزية الأميركية (سينتكوم) ‏التي تشرف على السياسة العسكرية الأميركية التي تشمل الدول العربية، بعد أن تم تصنيف إسرائيل عقودا مع ‏الدول الأوروبية، بسبب العداء بين إسرائيل وبعض الدول العربية.‏
احتفل الكيان الصهيوني بقرار ضمّه إلى "سينتكوم"، فغرّد وزير الحرب الصهيوني، بيني غانتس، عبر حسابه في "تويتر": "بعد أسابيع من المحادثات، بما في ذلك مع وزير الدفاع (الأميركي) السابق (مارك) إسبر، ورئيس هيئة الأركان المشتركة (مارك) ميلي، نقل الجيش الأميركي إسرائيل إلى قيادته المركزية، المكلفة بأنشطته في الشرق الأوسط". واعتبر غانتس أن القرار "سيعزّز التعاون بين الجيشين الإسرائيلي والأميركي في مواجهة التحدّيات الإقليمية، جنبا إلى جنب مع صداقات إضافية (!) ومصالح مشتركة". وينطوي كلام غانتس الذي لا يقل تنميقا عن بيان البنتاغون على دلالاتٍ مدمرة على مستقبل المنطقة العربية، وحركاتها الوطنية وتيارات التغيير الهادفة إلى الخلاص من الهيمنة الغربية على "الولايات العربية" غير المتحدّة إلا في اتفاقها على إجهاض أي تغيير إيجابي ينصف الشعوب، ويحرّرهم من مصادرة حيواتهم ومستقبلهم.
ولنفهم مغزى القرار الأميركي الخطير الذي لم يتوقف أمامه غير قلة قليلة من الكتاب، علينا أن نعود قليلا إلى الوراء، فمع أنَّ الكيان الصهيوني محاطٌ بدول تقعُ ضمنَ مسؤولية القيادة المركزية الأميركية إلّا أنها كانت تُعتبر من مسؤولية القيادة العسكرية الأميركية في أوروبا. وفي هذا السياق، يقول الجنرال نورمان شوارتسكوف قائد المنطقة الوسطى للقوات الأميركية، ومن بعد قائد معارك "عاصفة الصحراء" التي أخرجت القوات العراقية من الكويت عام 1991، في سيرته الذاتية عام 1992: "القيادة الأوروبية أبقت إسرائيل ضمن نطاق مسؤولياتها وكان هذا أمرًا جيدًا من وجهة نظري: كنت أواجهُ صعوبةً في إقناعِ العرب بإدراك القيادة المركزية للفوارق الجيوسياسية الدقيقة، إذ كانت إحدى نقاط التوقف في خط سير رحلتي هي تل أبيب"! وها هي الطريق إلى تل أبيب غدت "سالكة" في خط سير عرب اليوم، وقد بدا أنهم أكثر اقتناعا بالفوارق الجيوسياسية التي تحدّث عنها الجنرال الراحل.

تحوّل التعاون العربي الصهيوني العسكري والاستخباراتي من حالته السرية إلى العلنية الكاملة

ضم الكيان الصهيوني إلى قيادة المنطقة الوسطى الأميركية، المسؤولة عن الشرق الأوسط يعني ببساطة، إدماج الكيان وحلفاء واشنطن العرب في إستراتيجيتها للمنطقة، وإعلان التعاون العسكري بين الكيان وحلفاء أميركا العرب ومأسسته، وإحداث تكامل بين المؤسسة العسكرية الصهيونية وجيوش الأنظمة العربية، إلحاق إسرائيل بنفوذ القيادة الوسطى في الجيش الأميركي يعني أيضا تمكينها من توظيف المقدّرات العسكرية لحلفاء واشنطن العرب التي تستخدمها هذه القيادة، وليس بالضرورة من أجل تنفيذ الأجندة المتفق عليها بين الولايات المتحدة والنظم العربية، بل أيضا لأجندة إسرائيلية صرفة، وفق ما يراه الخبير في الشأن الصهيوني، صالح النعامي، في سلسلة تغريدات على "تويتر". ويضيف أن إعلان واشنطن وتل أبيب أن ضم الكيان إلى قيادة المنطقة الوسطى جاء لمواجهة إيران سيجعل الخليج في مواجهة طهران التي ستحمل دوله المسؤولية عن أي تحركٍ عسكري يقدم عليه الكيان الذي يمكن أن ينفذ عمليات "خنجرية" ضد إيران من دون التنسيق مع الخليج، ما يحمّل دول المنطقة تبعاتها. وما يزيد الأمور خطورة أن هذه الخطوة تأتي عشية صعود بايدن المتحمس للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، والذي هدّد بمعاقبة بعض النظم في المنطقة. لذا من السذاجة التوقع أن تستنفر أميركا للرد على إيران، في حال هاجمت هذه الدول، سيما وأن إدارة ترامب أيضا سمحت لإيران بفعل كل ما يحلو لها!
ملامج الحلف العسكري العربي الصهيوني "السنّي" بدت اليوم أكثر وضوحا من أي وقتٍ مضى، وهو ليس بالضرورة موجّها ضد إيران فقط، بل هو خطر داهم على مستقبل العرب قاطبة، بعد أن تحوّل التعاون العربي الصهيوني العسكري والاستخباراتي من حالته السرية إلى العلنية الكاملة. وهذا يعني أن ثمّة أحمالا ثقالا أضيفت على كواهل الأجيال العربية القادمة التي ستناضل للخلاص من النظام العربي الرسمي الذي ولغ في دم الشعوب، وسلبها حاضرها بالكامل، وهو يحاول بشراسة أن يسلبها المستقبل أيضا!