حبيبُنا كوفيد

06 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

أصدرت وزارةُ الداخلية اللبنانية، أخيرًا، قرارًا بعزل مائة بلدة وبلدة واقعة في معظم المحافظات اللبنانية، وهي ثماني محافظات، مدة أسبوع، وذلك بسبب ارتفاع الإصابات إلى ما هو أشرس وأشدّ بطشا منه بكثير. أجل، لم يعد المدعوّ كوفيد 19 يعنينا، لا بل إن كلّ محاولات تذكيرنا به، من الترهيب إلى الترغيب، إلى تحذيرنا الدائم بوجوب اتخاذ الحيطة وعدم التساهل، وضرورة العودة إلى الرشد، باءت بالفشل. نحن ببساطة لم نعد نكترث بما يعدو الكارثة اللبنانيّة، تلك الزاحفة إلينا من كل حدبٍ وصوب، الفارضة علينا حصارا نفسيا واقتصاديا واجتماعيا لم نشهد له من قبل مثيلا. حتى حربنا الأهلية الضروس، حربنا التي افتتحت سلسلة حروبٍ مخيفةٍ في المنطقة، الحرب التي دامت خمسة عشر عاما بحالها، وتوقّفت من دون أن تنتهي، لم تشعرنا بما نشعر حاليا به. نحن الآن نقف في وسط حقلٍ من الخراب، تحت سماءٍ حالكةٍ توشك أن تُنزل بنا غضبها وصواعقها، أمام بحرٍ هائجٍ سيجتاح اليابسة، مقتلعا كل ما يقف في طريقه إلينا. نحن في قلب إعصار، في فوّهة بركان، ولا حيلة لنا سوى الارتعاد خوفا بعد أن فقدْنا كلَّ فرص النجاة. أسنخاف ونحن في خضمّ هذا كلّه من جرثومةٍ صغيرةٍ تنتقل إلينا فتعبث برئاتنا قليلا، تفقدنا شهية الأكل، أو حاسّة الشم والذوق؟ كوفيدنا الآن أشبه بحيوانٍ صغيرٍ يتمسّح بنا في وحدتنا الكونية، يتسلّل إلى وحشتنا فيشغلنا قليلا عن الكارثة، يُلهينا ويسلونا عمّا نحن به من مُصاب، فما الأفضل منه وما المطلوب؟ 
ندرك، نحن اللبنانيين، أننا بتنا على حافّة الوقوع في حفرة الزوال. بلادُنا تنحسر أمام أعيننا كما تنحسر المياهُ لحظة الجَزر، تنحسر وتتراجع أمام الرمال التي لن تُبقي على شيء. بلادنا جزيرةٌ ستغمرها المياه، قطعة يابسة ستنفصل عن اليابسة مُبحرةً بنا إلى مجهولٍ يقع بعيدا عن خطوط الطول والعرض. نحن في الثواني الأخيرة التي تسبق حدوث الطوفان، لا نقوى على الهرب أو الركض، الهلع جمّد عقولنا، وشلّ أطرافنا، ندفع أطفالنا إلى الفرار بأي سبيلٍ ممكن، والسبيل الممكن الأخير هو وضعهم في الطائرات، ودفعها لتحلّق عاليا في الفضاء.
يتساءل كثر عن سبب انطفاء ثورتنا الجميلة، ويتساءلون عن قلة اكتراثنا بالوباء. نحن نعرف، ولا نرغب بالشرح والتفسير، ولا نبالي حتى بأن نُلام أو نُدان. جاء انفجارُ 4 آب (أغسطس) ونسَفنا، وكسرنا، وعطّلنا. ما تبقى منّا لم يعد ينفع لأي شيء. لا نزال آذانًا تسمع وعيونًا تنظر، لكنّ شبكات الأعصاب التي تربط حواسّنا بالدماغ تقطّعت جميعُها وبتنا سابحين كتلا في الهواء، تبتلع جملا نُصادفها أسرابًا طائرةً: خطّ الفقر، مجاعة قادمة، مقاومة أو مساوِمة، غاز وكهرباء، رفع الدعم، انقطاع الدواء، هنا جهنّم، وداعا شباب لبنان.. 
لبنان منطقة منكوبة، يا خلق الله، أعلنوه منطقة منكوبة وأنزِلوا عن كواهلنا كل ما يترتّب علينا من حقوقٍ وواجباتٍ ترنّ في رؤوسنا طبولا فارغة. اعفونا من السياسة، من المطالبة بأدنى حقوق العيش، وتصرّفوا بنا كما تشاؤون، بل كما أنتم الآن فاعلون. أجل، احفروا لنا مكانا تحت سابع أرض، وألقونا هناك، ثم امْحوا من فوق قبورنا كلّ أثرٍ، كي لا يُقال إنّنا كنّا ذات يوم هنا، وأنكم قتلتمونا بكل ما أوتيتم من حيلةٍ وقسوة ودهاء. أما كوفيد، حبيبنا كوفيد، فسوف نشرّع له الأبواب كلها، الأجساد كلها، وسندعوه إلى أن يعيث بنا أنّى شاء وكيفما شاء. كوفيد هو خلاصنا غير المأمول، خلاصنا المنشود، وقد اتضح وتحقق أنكم إنما تُميتون ولا تموتون.

دلالات