جمهورية باب العامود

جمهورية باب العامود

04 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

العنوان أعلاه مقتبسٌ من عنوانٍ سبق أن استخدمه كاتب هذه الأسطر غداة اندلاع ثورة 25 يناير في مصر قبل نحو عشر سنوات، وذلك لمّا صار ميدان التحرير في القاهرة قبلة الأنظار، وتحوّل إلى رافعةٍ محرّكة للأحداث، أخذت تنتزع، بمرور الوقت، سلطة معنوية معادلة لسلطة نظامٍ كان يتداعى حثيثاً، الأمر الذي برّر، في حينه، تسمية أهم ميادين العاصمة المصرية "جمهورية ميدان التحرير"، في إشارة إلى ما بات يعدّ به هذا الميدان من تطوّرات حبلى بالمتغيرات.
تداعى إلى الذهن ذلك المشهد الملحمي، المحفور عميقاً في الذاكرة، لدى رؤية مشهد مقدسيٍّ في باب العامود، يحاكي، من بعض الوجوه، سلطة ميدان التحرير، ومثيلاتها في تونس وصنعاء وطرابلس وحمص، حيث بدت ساحة مدخل البلدة القديمة في القدس، وما جرى فيها من حراكٍ شبابيّ لافت، بدأ من مطلع شهر رمضان، وبلغ ذروته بعد اثني عشر يوماً، أشبه ما يكون بالمشاهد التأسيسية لما صار يُعرف لاحقاً بالربيع العربي.
وما كان لباب العامود أن ينال مثل هذه التسمية المجازية، لولا أن آلاف الشباب، المدهشين حقاً، تمكّنوا من فرض أنفسهم على ساحة أجمل أبواب القدس العتيقة، وكسبوا الجولة بلا مراء، في معركةٍ تماثل أختها على بوابات المسجد الأقصى قبل نحو ثلاثة أعوام، مع عدو مدجّج بالقوة المفرطة والغطرسة، الأمر الذي سيتم تدوينه في سجل الصراع المديد على أنّه كسب مهم تم انتزاعه عن جدارة واستحقاق، في الحرب الضارية على مستقبل المدينة المقدسة، وربما نقطة فارقة، حتى وإن بدت صغيرة، مضافة إلى قعر كأس الانتصارات الفنية المتحققة فوق الحلبة، أمام مصارعٍ من الوزن الثقيل.
أتت هذه المعركة في وقتها الملائم تماماً، لتعيد تظهير حقيقة أنّ الاحتلال لم يستطع تدجين هذا الجيل الذي شبّ في القدس الأسيرة، سواء بالقمع والمخدّرات، أو بمرور الوقت والنسء، وإذا به يتجلى على العكس من ذلك، جيلاً شديد المناعة الذاتية، عصياً على الأخذ من الداخل، جيلاً قوي الشكيمة، راح يتدفق من حارات المدينة، ويطلع للمحتلين من خبايا الأرض، من تحت القباب ومن الدروب الضيقة، شابات وشباناً لم تلن لهم عريكة، ولم تنكسر فيهم روح مقاتلة، فأملوا أنفسهم، من غير إطلاق رصاصة، أو إلقاء حجر، أو رفع شعار غير قابل للتحقق.
من خلال الاستماع إلى شهادات المحتفلين بإبداعهم النضالي، ليلة بسط سيطرتهم على باب العامود، ولو إلى حين قصير، وبالاستناد إلى القصص والحكايات والمشاهد المنقولة من عين المكان أولاً بأول، يمكن إبداء أربع ملاحظات متفرقة، ليست كلّها صائبة بالضرورة الموضوعية:
الأولى أنّ المنتفضين بدوا، على صغر أعمارهم (في العشرينيات) يمتلكون وعياً ناضجاً بأفضل سبل المواجهة غير المتماثلة، وأكثرها نجاعةً أمام آلة قمع منظمة، ما حال دون انجرارهم إلى ملعب القوة، أي إلى الملعب المفضل لدى الاحتلال دائماً، وكأنّهم كانوا بذلك يستلهمون دروس انتفاضة الحجارة الثمينة، ويبعدون أنفسهم، من ناحية أخرى، عن تجربة الانتفاضة الثانية المسلّحة، وما فاضت به من نتائج كارثية لا تزال تداعياتها ماثلة.
الثانية أنّ شباب هذا الجيل الذي كثرت به الظنون وأسيء فهمه، بدا من باب العامود أكثر عنفواناً من جيل الأجداد الذين تجرّعوا تسونامي النكبة كؤوساً طافحاتٍ بالمرارة، وبدا أيضاً أشد بأساً من جيل الآباء، الذين أبلوا أحسن البلاء، وأقاموا أول رأس جسر عبور على طريق العودة، إلّا أنّهم لم يتمكّنوا، لأسبابٍ يطول شرحها، من إتمام المهمة.
الثالثة أنّ إسرائيل التي تتقن لغة القوة لا تستطيع العيش مع الاعتدال، بل تخسر معه على طول الخط، ولعلّ أبلغ دليل على ذلك أنّها خسرت معركة باب العامود بالمقاومة السلمية، وقبلها معركة بوابات الحرم القدسي، ناهيك عن الخان الأحمر. فيما نجحت في المقابل في كسب المعركة ضد مسيرات العودة بعدما تعسكرت، وارتدّت عقابيلها، من ثمّة، على الغزيين، مئاتٍ من الشهداء وآلافاً من الجرحى، من دون مقابل.
الرابعة أنّ التعويل كثيراً على الإنجاز المؤقت في باب العامود، باعتباره عتبة عبور نحو آفاق وطنية أوسع، بما فيه إجراء الانتخابات في القدس من خلال الاشتباك المباشر مع الاحتلال، تفكير رغائبي مفرط بالتفاؤل، وغير واقعي، إذ لم يتمكّن المنتفضون من حماية العلم المرفوع وسط جموعهم، لدى انقضاض عسكر الاحتلال عليه، أكثر من دقيقة واحدة.

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي