جريمة قتل "أم ضحكة جنان"

جريمة قتل "أم ضحكة جنان"

12 يناير 2022

(محمد العامري)

+ الخط -

قبل سنواتٍ كثيرة، سرت شائعة في الحي عن سيدة شابة وجميلة، أنها على علاقة برجل آخر غير زوجها. لم يصدّق الزوج هذه الإشاعة عن أم أطفاله، ولكنّ المحيطين به وبها صدّقوا، وهم إخوته وزوجاتهم، دافعهم إلى ذلك الغيرة من جمال السيدة وأناقتها، وقدرتها على المحافظة على هندامها وقوامها، مع أنها أنجبت عدة أطفال تباعا لكي تجاري في تلك العائلة عادة التباري والتباهي بإنجاب أكبر عدد من الأولاد. وقد صدّق الجميع تلك الإشاعة التي أطلقها رجل كان يلاحق المرأة الشابة الجميلة المتأنقة اللافتة للأنظار، في سيرها في الحي وفي أي مجلس تقع فيه بين نسوة غيورات. وكان مبرّر كل امرأة جدّت واجتهدت لنشر تلك الإشاعة وتكبيرها وتصعيدها أن تلك المرأة "مموضة"، أي أنها تجاري الموضة في لباسها وزينتها، فهي لم تتحوّل إلى زوجة مطحونة تفوح منها رائحة البصل والثوم، وتتبقع ثيابها بلعاب الرضّع، ولا تتشقق يداها من غسل الأواني الملطخة بالسناج.

وهكذا رحل الزوج وزوجته من الحي، وتحوّلت أسرته الصغيرة إلى أسرة منبوذة. والجريمة التي لاحقت تلك السيدة أنها كانت "مموضة" مثل الجريمة التي انتحرت بسببها فتاة صغيرة في عمر الزهور اسمها بسنت، أن لقبها "أم ضحكة جنان".

تعرفون جيدا الفتية الفاشلين الذين ألقت بهم معدلاتهم المتدنية، وليس أخلاقهم وتوجّههم نحو المدارس الدينية التي تقبل المعدلات المتدنية للطلبة، بدءاً من المرحلة الثانوية. ولدى هؤلاء خبرات متداولة ومتبادلة في عالم الإنترنت، ومن الطبيعي أن يصبّوها في اتجاه الشر. والشر هنا اصطياد الفتيات الصغيرات، الجميلات خصوصا، وقد حاول اثنان منهما إلقاء حبالهما نحو فتاة جميلة اسمها بسنت خالد، وتلقب في قريتها الصغيرة بلقب "أم ضحكة جنان"، ولكنها تمنّعت، وأمام تمنّعها ثارت ثورة المراهقة واصطناع الرجولة، فقرّر الفتيان الانتقام منها من خلال برامج الفبركة والتزوير في الشبكة العنكبوتية. وليس من الصعب أن يجيد التعامل معها أي فتى مراهق لا يحب الدراسة، ولا يجد جدوى من إهدار عمره بين الكتب، فيما العالم يفتح أبوابه أمامه، وتلك الأبواب، على الرغم من زيفها ووهمها، تزيد من غروره ورغبته في الانتقام، فكيف لفتاةٍ، مثل بسنت، أن ترفض مواعدته، وتُسقط هيبته أمام باقي الشلة من الفتية الذين بالكاد نبتت لِحاهم وشواربهم مثل جيوش نملٍ صغيرة لا تكاد تراها أعين السيارة.

مشكلة الفتاة التي قرّرت إنهاء حياتها أنها لم تخبر والديها بأمر الفتيَين منذ البداية، وانتظرت حتى فبركا صوراً ومقاطع فيديو لها من خلال صورها الشخصية التي تنشرها عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وهذه مشكلةٌ تقع فيها معظم الفتيات اللواتي يعتقدن أن صورة لإحداهن مع زميلات أو عائلة أو صورة بزي مستور سوف تكون حاميةً وواقيةً لها من الابتزاز، وتغفل عن وجود برامج خاصة للتزوير والفبركة يحتاج من يتعامل معها لصورة لملامح الوجه فقط، ثم يفضح الضحية أمام الجميع، والجميع هنا عائلتها التي نظرت إليها نظرات الشك والريبة، والمدرسة والجيران والأقارب الذين يعتبرون هم قتلة الطالبة "أم ضحكة جنان بسنت خالد" الحقيقيين قبل أيام في قرية كفر يعقوب التابعة لمركز كفر الزيات بمحافظة الغربية في مصر.

مشكلة الفتاة أيضا أنها جميلة، وضحكتها ساحرة "ضحكة جنان". والحقيقة الموجعة أن الجميلات سيئات الحظ في الزواج والحب، ولكن الحقيقة الأكثر وجعا أنهن يتعرّضن للتنمر والشائعات والتوقعات في الوقوع في الرذيلة أكثر من الفتيات الدميمات أو متوسطات الجمال، فلن يُقدم فتية مثل هذين الغرّين على إضاعة وقتهما لتركيب صورة وجه دميم على قوام رشيق مثلا. ولذلك الفتاة الجميلة مثار للشبهات وضحية حتى من أقرب الناس إليها.