تيسير النجار فريسة الظلم والثلج

28 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

ليت الثلج لم يهطل في عمّان، تلك الليلة التي فقدنا فيها تيسير النجّار. ليته فعل وأجّل مدّ بساطه الأبيض عاماً آخر. كنا ظفرنا بعام إضافيّ نحياه مع تيسير، على غرار ابتهال محمود درويش وهو ينادي أصدقاءه: "من منكم تبقّى لأحيا سنة؟ .. سنة واحدة فقط"، غير أنّ هذا المراوغ الأبيض أبى إلا أن يختطف فريسةً أخرى تشاطره البياض.

بالطبع، هو تخمين يحتمل الجدل، غير أن من يعرف الثلج وقلب تيسير النجّار جيداً يمكنه أن يتكهّن، ببساطة، أن ثمّة في الثلج خداعاً بصريّاً يزيّف وعي ذوي القلوب المسكونة بالظلم الأسود، فيخيّل إليهم أن العالم غدا متّشحاً بالعدالة البيضاء. عندها قد يشعرون بأن من حقِّهم التخفّف من أسلحتهم، ولو برهة واحدة، والتمتّع باستراحة المحارب. لكنها لحظة كفيلة باختطافهم إلى الأبد؛ لأن الطمأنينة في حياة محاربٍ لم يحسم معركته تعني الموت. هي لحظةٌ أشبه بهدوءٍ يلي عاصفةً لم تنته بعد، وهذا ما لم يدركه قلب تيسير الذي حطّم قضبان قفصه الصدريّ للمرة الأولى منذ غادر جسده القفص الأكبر من سجن الوثبة في الإمارات قبل أعوام، لكنّ روحه أبت إلا أن تحمل القضبان معها؛ لتذكّره دوماً بأن الخلاص من ظلم أنظمة الاستبداد ليس حلّاً فرديّاً ينتهي بإطلاق سراح سجين واحد أو اثنين، بل هي حربٌ شموليةٌ ضدّ أنظمةٍ شمولية.

كان في وسع تيسير النجّار أن يدّعي الحرية، وفق المنظومة "الفكريّة" المتواضَع عليها بين الحاكم والمحكوم في العالم العربي، التي تعني أن المواطن الصالح هو الذي يحقق شرط "الحياة خارج السجون"، وليس خارج فلك السلطة ذاتها بإطارها الاستبداديّ المعروف، ففي عرفها أنت محظوظٌ لأنك خارج السجن، وخارج الملاحقة الأمنية، ولأنك على قيد الحياة، أيضاً، خصوصاً في الأنظمة الأشد دمويّةً. ونظير هذه "النِّعم" المسبغة عليك، يتعيّن أن تبرهن على امتنانك بالولاء المطلق والطاعة العمياء لولاة الأمر، فهم الأحقّ بعقلك وبدنك، وهم خيارك الأوحد، وما عليك سوى الانخراط في شروط الحظائر، والامتثال لما يمليه عليك الجزّار.

أبى تيسير أن يزعم ذلك الطراز من الحرية المفصّلة على مقياس أنظمة الاستبداد، فقد خرج وقلبه مثقل بالظلم الذي كان ينخره قبل السجن حتّى، فهو، بطبيعته المرهفة، كان عدوّاً للظلم في أي بقعة من العالم، فكيف وقد وقع الظلم عليه شخصياً، وقاساه نفسيّاً وجسديّاً من جلاوزة لا يتوافرون على ذرّة من الرحمة، فاستطال الظلم في قلبه، ليصبح حرباً ضروساً يستعر أوارها في شرايينه المعذّبة، حدّ أنه لم يكن يشعر فعليّاً بمغادرته سجنه، وكان يستقبل المهنئين بإطلاق سراحه كسجين يستقبل زوّاراً من خلف القضبان.

معضلة تيسير النجّار أنه كان يبحث عن عدالةٍ شمولية، لا فردية. ولهذا لم يكن يشعر بالحرية عندما غادر السجن. ولمّا تساءلنا: هل سيهدأ قلب تيسير لو حدثت معجزة، وبرّأته محاكم الإمارات مثلاً، حتى ولو بعد خروجه من السجن، أو قدّمت حكومتها اعتذاراً له، وزعمت أنه "سجن ظلماً"؟

في مثل حالة تيسير، في وسعنا أن نخمّن الإجابة، فقلبه لن يهدأ حتماً؛ لمعرفتنا بشخصيته القائمة على مقارعة الظلم من جهة؛ ولأن السؤال نفسه يحمل إجابته الساخرة في علامة استفهامه. ولعلّه من أقبح الأسئلة التي يمكن أن تطرح في أنظمة الاستبداد، وأعني به "السجن ظلماً"، أو "الموت ظلماً".. إلى آخر هذا الطراز من المصطلحات؛ وإلا كنا اعترفنا بنقيضها، وأعني به "السجن عدلاً".. و"الموت عدلاً" في بلاد تفتقر إلى العدالة أساساً.

ربما تواطأ الظلم والثلج على قلب تيسير في تلك الليلة السوداء، غير أن تيسير ربما أدرك في لحظة كشفٍ بيضاء أن الموت يمكن أن يكون باب الحرية الوحيد من سجنٍ طال أمده، فقرّر أن يأخذ على عاتقه هذا الرهان، غير أني على ثقةٍ بأن قلبه ما زال في خضمّ المعركة ينادي أموات الحياة العربية: "استيقظوا أيها السجناء".