تظاهرات الإسكندرية..ملامح من أزمة التخطيط العمراني

تظاهرات الإسكندرية .. ملامح من أزمة التخطيط العمراني

14 يونيو 2021
الصورة

من العمران العشوائي في عزبة نادي الصيد في الإسكندرية (العربي الجديد)

+ الخط -

مظاهرات ومواجهات أمنية، القبض على العشرات، قرارات بالحبس، مشهد متكرَر يتزامن مع إجراءات تطوير المناطق السكانية غير المخططة منذ بداية التسعينيات، والتي يتبع فيها غالبا التهجير القسري، لم يخرج مشهد مظاهرات أهالي عزبة نادي الصيد في الإسكندرية عن الإطار المتكرّر، اللافت قدرة سكان الحي المكتظ سكانيا على تنظيم أنفسهم، والتعبئة مستخدمين وسائل التواصل الاجتماعي، والشبكات الاجتماعية، المقاهي والمساجد، وأن تتحد كلمتهم، ويتجاسر آلافٌ منهم على التظاهر، على الرغم من تكلفته العالية، ويواجهون مخاطر عدة في ظل السلطوية، تهم بالتظاهر والتحريض، غير إيحاءات باستغلال الأزمة من أطراف ووسائل إعلام خارجية.
تتشابه المظاهرات مع مثيلتها، المتعلقة بالحق في السكن، وضمن احتجاجاتٍ على سياسات التخطيط العمراني. صحيحٌ أنها اندلعت وانتهت بسرعة، لكن لا يمكن الاستخفاف بها، واعتبارها عارضةً، لكونها كاشفة عن أحوال طبقات وفئات اجتماعية مأمومة، تعتبر مساحات العيش، في مساكن، وإن كانت متدنية الخدمات، ملجأ لها ومرتكزاً لحياتها، بما توفره من سند، ومحيط اجتماعي، يتوفر فيه مصدر للعمل، ويرتبط أهلها بشبكة علاقاتٍ اجتماعية، تضيف إليهم بوصفها رأس مال اجتماعي، شبكة من تضامن، وسوقاً اقتصادياً فيه تبادل للمصالح ومورد للعيش، والتغلب على مصاعب الحياة، خصوصاً بين أصحاب العمالة غير المنتظمة، أو عاملين لا تفي أجورهم تحمل السكن بأسعار مبالغ فيها إلى جانب أسعار الخدمات. المشكلة ليست في المسكن فحسب، ولكن فقدان رأس المال الاجتماعي، وسوق العمل، غير شعور بالظلم والتمييز، وشكوك في مسارات ومخططات تهجير. وعبّر المحتجين صراحة عن تشككهم ومعارضتهم لمخططات النقل الجبري وعمليات الإخلاء، وهذا الموقف يتشابه مع ردود أفعال أغلب حالات المناطق التي شهدت نفس الإجراءات، سواء الهدم أو النقل بالقوة الجبرية.

على الرغم من تكرار الاحتجاجات منذ بداية برنامج التطوير عام 1993، إلا أن توجهات الحكومات المتعاقبة لم تتغير كثيرا

تبقى أن صفقات عمليات التطوير يحتج عليها المهجّرون، ويرونها تشكل مخاطر، وغير عادلة، تطرح الأراضي بعد نزعها من سكانها، لإعادة الاستخدام، إما بالبيع لمستثمرين أو إقامة مشروعات سكنية مملوكة للدولة، غالبا تخصّص لطبقاتٍ مترفة، أصبحت بشكل متصاعد، مسألة ملكية الأرض، والبناء عليها، ومدخلات واستثمارات السكن في السوق غير الرسمي (البناء الشعبي) محل صراع، وإعادة نظر، وهي مصدر للموارد المالية للدولة، وسبق أن اندلعت المظاهرات بعدة مناطق ريفية، بعد تنفيذ قانون التصالح علي العقارات المخالفة، وعلى الرغم من تراجع الحكومة في تقدير حجم الغرامات، أو ما سميت تكاليف التصالح، جمعت الدولة ما يزيد عن 17 مليار جنيه.
وعلى الرغم من تكرار الاحتجاجات منذ بداية برنامج التطوير عام 1993، إلا أن توجهات الحكومات المتعاقبة لم تتغير كثيرا، وربما ساهمت الحركات الاحتجاجية التي قادها أهالي المناطق المدرجة في مخططات تطوير العشوائيات إلى تحسين شروط التفاوض، في أحيان كثيرة، لم يكن لدى من يهجّرون أماكن بديلة (كحالة كفر العلو بحلوان، وبعض مناطق الدويقة وقلعة الكبش في وسط القاهرة) لكن تجارب تالية ونتاج مقاومة الطرد إلى الشارع عدّلت جزئياً طرق معالجة الأزمات، كما حالة مثلث ماسبيرو الملاصق للتلفزيون، لكن نهج الاستعلاء والتشويه يبقى مستمراً، ويعكس أوجهاًٍ من الخلل في الرؤية والإدارة والتوجهات والانحيازات الطبقية.
وفي الحالة الأخيرة (عزبة نادي الصيد بالإسكندرية) نموذجا لمعرفة لماذا يحتج الناس، ويعترضون ويستعدّون لدفع الثمن، وهم بكل تأكيد يحسبون، ككل المنخرطين في الاحتجاج، موازين القوة وحجم المكاسب والخسائر، وهم مع مصالحهم وتحسين أوضاعهم، تكشف مظاهرات الإسكندرية، كما احتجاجات شبيهة في مطالبها وأسبابها، أنه لا توازن بين احتياجات السكان وضرورة التطوير والتخطيط العمراني، سبق أن أعلن رسميا عن خطط تطوير للمنطقة عام 2019 ضمن سبع مناطق تضم مليوني نسمة، وبتكلفة 811 مليوناً. وتضمنت الخطة رفع كفاءة الخدمات. وفعلياً بدأت مرحلة التنفيذ، إلا أن هذا المسار تغيّر، وأبدل بمسار الإخلاء، أعلن فيما بعد الاحتجاج تمليك من في حوزتهم أوراقا ثبوتية بملكية الأرض وحدات سكنية قريبة نسبيا من المنطقة محل الإخلاء. أما المستأجرون فسيتم تسكينهم في وحدات بالإيجار، وتمثل عملية التهجير، بجانب خسائر لبعضهم، أعباء نفسية، وحمّلة بشعور من التمييز الطبقي، خصوصا مع وضعها في إطار مخططات إعادة استخدام الأراضي، واحتمالية تمليكها لمستثمرين، وهو ما يشكل صورة ذهنية عن أن الدولة تتخلص من مواطنيها الفقراء لصالح مجموعات المصالح.

من آثار السلطوية أن تقود الدولة التطوير عبر القهر، وهو ما تتزامن معه لغة استعلائية، ترى المواطن بوصفه أزمة، عليه السمع والطاعة، وأحيانا تقديم الشكر

وفي مواجهة حالة التعبئة المعتادة ضد سكان المناطق الشعبية بوصفهم أزمة، واستخدام عمليات الوصم الاجتماعي، مع إبعادهم فعليا عن محيط المدينة، تحدُث عملية تعبئة شعبية مضادة للدفاع عن الحق في السكن والأرض، وإيضاح الصورة الاجتماعية للسكان، والذين، وبحكم عوامل عديدة، ليسوا فئة طبقية واجتماعية واحدة كما يصوّر بعضهم، وليست منازلهم أيضا ذات سمات معمارية واحدة، يزيد تاريخ المنطقة عن نصف قرن. يصفها أهلوها بأنها منطقة شعبية، في مواجهة دعاية حكومية وإعلامية بأنها منطقة تحوي أمراضا اجتماعية، وبؤرا إجرامية، وكل مساكنها خطرة معماريا (أكشاك صفيح وخشب). ومن حيث طبيعة الملكية، ساكنوها واضعو يد (لصوص الأرض ولا يعرف من اللص في الحقيقة). وبالتالي، ليسوا أصحاب حقوق، غير أن أصواتا ترى أن الدولة تتفضل عليهم بنقلهم إلى مساكن مخططة. في المقابل، يرفع المحتجون شعار "بالطول والعرض احنا أصحاب الأرض" لنفي تهمة الاستيلاء التي تُوجه ضدهم في سلوكٍ لا يخلو من إسقاط!
ومن آثار السلطوية أن تقود الدولة التطوير عبر القهر، وهو ما تتزامن معه لغة استعلائية، ترى المواطن بوصفه أزمة، عليه السمع والطاعة، وأحيانا تقديم الشكر. ولا يحق له أن يسأل أو يفهم ما يخطط، حتى وإن كان يمسّه. تغيب المعلومات وتتضارب، وتتغير أحيانا الخطط حسب الأهواء وصراعات مجموعات المصالح. ومع هذا التعتيم، وعدم الاعتبار للمواطنين بوصفهم شركاء في عمليات التخطيط والتطوير، تتّسع مساحات عدم الثقة بين أي جهة حكومية والمواطنين، وإن كانت الديمقراطية وحرية تداول المعلومات أمرا غائبا بشكل عام، فلا ينتظر أن يتم حوار مجتمعي حقيقي، أو دراسات تكشف الاحتياجات وتحدّدها، ليست وحسب السكانية، ولكن أيضا نتائج النقل أو التطوير اجتماعياً واقتصادياً. لا قيمة هنا إلا لتقدير الموقف الأمني، لينتج المشهد مواجهات بين سكان المنطقة وقوات الأمن. وكان تصدير الجهات الأمنية يعالج كل مشكلة، وتحميلها الغير دورها، يعفي أدوارا غائبة، وكان الخوف شيئا مستداما، يمكن أن يحقق كل شيء.
ليس غريبا أن يرى أهالي المناطق التي شهدت إجراءات الإخلاء أن السياسات الحكومية، في التطوير العمراني، تمثل مخاطر يجب دفعها، خصوصا وهم يدرسون، ولديهم خبرات سابقة في تجارب الإسكندرية (والقاهرة أيضاً)، وما تزامن معها من ضغوط وأعباء نقل السكن، ودفع تكاليف الإيجار، غير شهادات متداولة (من أهالي غيط العنب مثلاً) عن عدم حصول بعض أصحاب المحال التجارية على بدائل في المناطق التي نقلوا إليها. وإذ أخذ في الاعتبار أن متطلبات الحياة ليست مرتبطة وحسب بنوع السكن وسهولة التنقل، وإنما أيضا توفر نشاط اقتصادي وفرص عمل، يمكن فهم جانبٍ من أسباب الاحتجاج، المبنية على أسس اقتصادية واجتماعية، فالسكن ليس متطلب الحياة الوحيد.

التطوير يمكن أن يتم بصور فيها توازن وعدالة، ويتم في غير المناطق الخطرة اتّباع أسلوب الإخلاء على مراحل، وإعادة التوطين في جزء من المنطقة بعد تطويرها

كما يلحظ أن أحد أهداف التطوير إعادة استخدام الأراضي طرحها في مشروعات استثمارية، وليس كما تتم الدعاية عن رفع مستويات معيشة السكان. ولا إنكار هنا لتطوير مناطق عديدة، وإمدادها بالخدمات، لكن التطوير يمكن أن يتم بصور فيها توازن وعدالة، ويتم في غير المناطق الخطرة اتّباع أسلوب الإخلاء على مراحل، وإعادة التوطين في جزء من المنطقة بعد تطويرها، والاستفادة من عوائد تلك الأراضي وأسعارها المرتفعة القيمة، لبناء وحدات سكنية مخطّطة ومزودة بالخدمات، أي تطوير المنطقة السكنية وإعادة التسكين من دون خسارة الشبكات الاجتماعية أو مصدر العمل. وفي التجارب العالمية خبرات يمكن الاستفادة منها، وهي ليست مجهولة أو غائبة عن متّخذي القرار، بل إن بعض هيئات الدولة طرحت عديدا من تلك النماذج ضمن مناقشة سابقة وممتدة منذ عام 2005، لكن صراعات المصالح تحكم اتجاهات السياسات والانحيازيات أيضا، وهذا ليس غائبا عن سكان المناطق التي تندرج في خطط التطوير، والذين يدركون جيدا أن تحرّكاتهم الاحتجاجية مشروعة، وجزء من الحركة الاجتماعية ضمانة للحصول على قدر من مطالبهم وحقوق عادلة، كما أن أشكال التجمّع والتعبير، بما فيه من تظاهر، أداة تأثير في عملية التفاوض مع الجهات الحكومية والإدارية، فضلا عن أنها تعبير عن المقهورين تحت سطوة الإخلاء الجبري، وما قد يترافق معه بضياع ما يستندون إليه من وجود في أوضاع هشّة لا يريدون أن تزداد صعوبة.