ترامب ليس ترامبياً

23 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

يذهب بعضهم إلى تعريف منهج (وأسلوب) الحكم الذي اتبعه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بتسميته "الترامبية". استناداً إلى ما أحدثه ترامب من تحوّل في السياسات الأميركية داخلياً وخارجياً. وهو بالفعل أدخل جديداً على مظاهر اتخاذ القرار السياسي وأساليبه في الولايات المتحدة الأميركية. واستحدث اقتراباتٍ غير تقليدية في التعاطي مع الواقعين، الأميركي والعالمي. ولكن الصحيح، أيضاً، أن ترامب لم ينقلب فعلياً على الأطر المنظمة، أو الخطوط العريضة المحددة للمصالح الأميركية، خصوصاً في النطاق الخارجي. ولم يكن من الوارد أن يأتي ترامب باختلاف، أو يستحدث جديداً في تعريف المصلحة الداخلية للمواطن الأميركي وتحديدها. وقد أوجزها ترامب، في حملته الانتخابية الأولى عام 2016، بتعبير "أميركا عظيمة ثانية"، وذلك عن طريق جعل "أميركا أولاً" في الداخل والخارج. وكل منهما شعار يحمل كثيراً من القوة والعنفوان، وهما أيضاً أكثر تحديداً ووضوحاً وتحدّياً، لكنهما لا يختلفان في المضمون عن الذي استخدمه الرئيس السابق، باراك أوباما، عام 2008 "نعم نحن نستطيع".
وهنا الجانب الأهم في التمييز بين طرح فكري جديد أو رؤيةٍ لها قواعد ومنطلقات مختلفة، وتغير الأساليب أو اختلاف مداخل تحقيق المصلحة العليا للدولة. وليس سرّاً أن ترامب يتبع منهج المساومة، و"يفاصل" لرفع قيمة أي شيء يقدّمه أو زيادة ثمنه. لكنه لا يحمل جديداً يستحق أو يحمل اسمه، كما فعل الرئيس وودرو ويلسون (1913 – 1921). وإن كان لديه ما يمكن تمييزه موضوعياً كمقابل موضوعي لسياسة "الاحتواء"، وهو سياسة "الضغط الأقصى" التي تصل أحياناً إلى درجة الابتزاز والتهديد، لتحقيق أعلى مكسب بأقل تنازل، وهي ليست جديداً "ترامبياً"، وإنما مبدأ قديم ومعروف في علم التفاوض، أضاف إليه ترامب بعض الوقاحة في الألفاظ المستخدمة والفجاجة بإعلانها والتباهي بها.
في الداخل، انتهك ترامب القواعد المستقرة في إدارة الدولة، بما في ذلك احترام المؤسسات الأخرى المشاركة والمكملة للبيت الأبيض في الحكم. كما اخترق تقاليد الحكمة والاحتكام إلى معايير موضوعية في قرارات تعيين الوزراء والمستشارين أو إبعادهم، وغيرهم من المسؤولين رفيعي المستوى، فضلاً عن الهجوم الحاد الذي يصل إلى السب العلني، لوسائل الإعلام وكل من لا يؤيده بالمطلق. والملمح التائه في غمرة السباب والمعارك المتتالية لترامب أنه بذلك لم يحمل مشروعاً حقيقياً جديداً، أو يبلور أفكاراً غير مسبوقة، فضلاً عن أن يقدّم طرحاً فكرياً أو مشروعاً سياسياً ما.
ويبرز هنا سؤال منطقي، إذا كان الأمر كذلك.. فكيف ولماذا تجاوز التأييد لترامب سبعين مليوناً من أصوات الناخبين؟ الإجابة، ببساطة، أن ترامب يعبّر عن قطاع عريض في المجتمع الأميركي. صحيح أن بضعة ملايين من السبعين مليوناً التي حصل عليها كانت مدفوعةً بعوامل معينة، مثل سوء إدارة أزمة كورونا، وغضب الأقليات والسود بعد مقتل جورج فلويد، وانقلاب ولاية أريزونا عليه لإهانته رمز الولاية، السيناتور الراحل جون ماكين. ولكن الصحيح أيضاً أن ثمّة تصاعدا مستمرّا للنزعة اليمينية المتطرّفة في مختلف أنحاء العالم. والأميركيون ليسوا استثناء من ذلك المد اليميني الذي يجمع النزوع إلى القومية مع العنصرية الشعبوية. وإن كان ترامب قد فاز في العام 2016 بأصوات المجمع الانتخابي، فقد كاد يفوز بأصوات الاقتراع الشعبي في 2020، وربما في انتخابات 2024 يفوز بكليهما بسهولة.
في النهاية، ليس ترامب سوى إفراز تحوّلات مجتمعية عميقة، تتفاعل في قاع المجتمع الأميركي منذ عقود، ليتلو في ذلك المجتمعات الأوروبية التي سبقت الأميركيين إلى تلك النزعات اليمينية الراديكالية. فترامب يميني تقليدي بامتياز، مع بهارات ومقبلات من الصفاقة وسوء الأدب وعدم التوقع. ولكن بلا جوهر أو فكر أو مشروع يستحق اسم "ترامبية".