بين تفاؤل الليبيين والخوف من الفشل

بين تفاؤل الليبيين والخوف من الفشل

10 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

أبدى الليبيون تفاؤلاً عقب اتفاق جميع الفرقاء على سلطةٍ انتقاليةٍ واحدة، جمعت مختلف الأطياف، ومثلت الأقاليم الجغرافية الثلاثة، يرأس حكومتها عبد الحميد الدبيبة، ويرأس مجلسها الرئاسي محمد المنفي. رفع التفاؤل سقف الطموحات، ولا سيما بعدما نجحت الحكومة في الحصول على موافقة مجلس النواب، التي اعتُبرت خطوة مهمة على طريق توحيد البلاد وإنهاء الصراع السياسي والعسكري الذي دفع الليبيون وحدهم أثمانه، من قتل ودمار وتهجير، إلى الدرجة التي قلما نجت عائلة في البلاد من آثاره السلبية، في خطوة يؤمل أن تقود إلى عقد انتخابات برلمانية ورئاسية في نهاية العام الحالي، وخصوصاً أنّ كل المواقف والتصريحات الدولية تصرّ على ضرورة إنجاز هذا الاستحقاق في موعده المحدد.
ومما زاد في تفاؤل الليبيين، عدم معارضة اللواء المتقاعد المتمرد، خليفة حفتر، والموالين له، لهذه الحكومة في بداية تشكيلها، وهو الذي عوّدهم خوض مغامرات غير محسوبة، من خلال رفضه أيّ مقترح أو حل سياسي، لا يكون هو مخرجه، بل بطله الأوحد. وقد أجبرته على الموافقة قوى إقليمية ودولية، مقابل اختياره بعض الوزراء من خلال رئيس البرلمان، عقيلة صالح، الذي يبدو أنّه تحرر من تبعيته لحفتر، ولم يعد على وفاق تام معه.

أوعز  حفتر إلى بعض مناصريه والتابعين له في مطار بنينا بمنع هبوط طائرة الفريق الأمني والإداري التابع لرئيس الحكومة

آمال كبيرة عقدها الليبيون على هذه الخطوة، ورأوا فيها بداية النهاية لكلّ الأزمات التي يعيشونها، وأنّ بداية الاستقرار قد لاحت من خلال هذا الاتفاق، إلّا أنّ ذلك لم يرُق حفتر ومناصريه، فهو لا يرضى إلّا بتصدره المشهد، حتى إن كان على حساب ما بقي من الوطن، فنجاح حكومة الوحدة الوطنية سيعني بقاءه في الظل، والاستغناء عن خدماته الجليلة! وهي المتمثلة بإذكاء نار العداوة والحروب والاقتتال بين الأشقاء، ولعبه الدور الرئيس في زيادة الفجوة بين مكونات النسيج الاجتماعي الليبي، لتزداد صعوبة ردمها في كلّ مرحلةٍ. لم ترُقه حالة الاستقرار والأمل الذي يعيشه الليبيون في الخروج من الإحباط واليأس الذي لازمهم سنوات، فأوعز إلى بعض مناصريه والتابعين له في مطار بنينا في بنغازي بمنع هبوط طائرة الفريق الأمني والإداري التابع لرئيس الحكومة التي كانت تقلّهم للتمهيد لعقد اجتماع الحكومة في بنغازي. ثم التزم الناطق الرسمي والجهات التابعة لحفتر الصمت، إلّا أنّ ارتفاع الأصوات المندّدة بهذا التصرف، ومن وسط بنغازي التي يحكمها بقوة المليشيات (القبلية والمؤدلجة)، جعله يسرّب بعض المبررات إلى بعض وسائل الإعلام التابعة له، مدّعياً أنّ من قام بهذا العمل أفراد لا يخضعون لسيطرته. وقد أضحك هذا التبرير الليبيين لسذاجته، لأنّهم يعرفون جيداً أنّ بنغازي بالكامل تحت سيطرة الرجمة (مقر إقامة حفتر)، فما بالك بأهم مرفق داخل المدينة، وهو مطار بنينا؟ وقد تناقضت هذه الأقوال مع تصريحات مدير أمن المطار، المقرّب من حفتر، أنّ سبب المنع يعود إلى أنّ الطائرة كانت تقل 87 عنصراً من الكتائب المسلحة في طرابلس، رفضت الكشف عن وثائقها الثبوتية وأنّ "الوفد طالب أيضاً بتسلّم صالة كبار الزوار في المطار للتمركز فيها بأسلحتهم، واستقبال وفد الحكومة الذي سيأتي لاحقاً، وقوبل طلبهم بالرفض". تخبّط وتناقض في تصريحات، اختتمها أحمد المسماري، الناطق باسم قوات حفتر، رحب فيها بعقد حكومة الوحدة الوطنية في بنغازي، شرط عدم نقل أيّ عناصر أمنية من مدن أخرى، موضحاً استعداد قواته التام "لاستقبال الوفود الرفيعة وضمان أمنها وسلامتها على أعلى مستوى".

الحكومة عاجزة عن تحقيق الحدّ الأدنى من طموحات المواطن، وما زال رئيسها يواجه تحدّي الوفاء بوعوده التي التزمها أمام لجنة الـ75 وأمام البرلمان

ومن ناحية أخرى، سبق منع طائرة وفد الحكومة من الهبوط في بنغازي، خروج مجموعات محسوبة على حفتر إلى ساحة في وسط بنغازي، وأحرقوا صور رئيس حكومة الوحدة، عبد الحميد الدبيبة، متهمين إياه بالتحالف مع الإخوان المسلمين وتركيا، وهي التهمة التي أصبحت مدعاة لسخرية الليبيين وسأمهم سماعها، وأيقنوا أنّها ليست سوى ذريعة لعرقلة أيّ تقارب بين الشرق والغرب.
في كلّ حال، ليست هذه المعضلة الوحيدة التي واجهت الحكومة، فعلى الرغم من مزاولتها أعمالها رسمياً منذ نحو شهرين، ما زالت عاجزة عن تحقيق الحدّ الأدنى من طموحات المواطن، وما زال رئيسها يواجه تحدّي الوفاء بوعوده التي التزمها أمام لجنة الـ75 وأمام البرلمان، فعدد الوفيات نتيجة الإصابة بفيروس كورونا في تزايد ملحوظ، في غياب استراتيجية واضحة من الحكومة للحدّ من انتشار هذا الوباء، والتي اكتفت بحلّ اللجنة السابقة المكلفة (اتخاذ إجراءات مجابهة وضع خطر انتشار هذه الجائحة) والمشكّلة بقرار المجلس الرئاسي السابق، وتكليف لجنة أخرى، ما زالت تعاني من شحّ الإمكانات المادية لمزاولة أعمالها، على الرغم من وصول اللقاح الروسي "سبوتنيك - في" إلى طرابلس، والبدء الفعلي بتلقيح المواطنين المستهدفين. كذلك، ما زالت المشكلات اليومية التي تواجه المواطن على حالها، من شحّ للسيولة، إلى غلاء فاحش للأسعار، إلى تأخر في سداد الرواتب، إلى المشكلات التي تواجه قطاع الصحة، والتي جعلته عاجزاً عن توفير الأدوية البسيطة، فضلاً عن التي يتناولها مرضى السرطان وأصحاب الأمراض المزمنة، وتصل إلى أضعاف سعرها في حال توافرها في العيادات الخاصة، وما زال المواطن متسلحاً بالصبر، وانتظار ما سيحمله اليوم الثاني، يكابد لتأمين قوت يومه، يفاضل في أولوياته، يتصرف بمدّخراته (إن وجدت) من أجل ضروريات عجز عن توفيرها، في وقتٍ تشكّل فيه الحكومة لجنة لمناقشة رفع الدعم عن الوقود، وعن سلع مدعومة، بدواعي محاربة التهريب، الذي إذا ما جرت الموافقة عليه، سيزيد من معاناة المواطن، وستحلّق الأسعار إلى أضعاف ما هي عليه الآن، في ظلّ ثبات الرواتب، وتواصل تدهور الوضع الاقتصادي.

أدّت المحاصصة على أساس المناطق والأقاليم الجغرافية واعتمادها آلية لاختيار الوزراء إلى عرقلة اختيار الوكلاء العامين ومن سيتولون المناصب العليا الشاغرة

وجدير بالذكر أنّ الحكومة التي نجحت في انتزاع موافقة مجلس النواب على تشكيلها، ما زالت عاجزة عن إقناعه باعتماد الميزانية المقترحة، إذ قرّر المجلس إعادتها للتعديل، موجّهاً انتقاداتٍ كثيرةٍ إلى بنودها، فقد أوردت اللجنة التي كُلفت دراستها نقاطاً حالت دون اعتمادها، ولخّصت في عدم وضع الأهداف على شكل برامج ومشاريع واضحة، بالإضافة إلى أنّ إنفاق ميزانية تصل إلى نحو مائة مليار دينار ليبي (21.6 مليار دولار)، خلال أقل من سنة، سيكون أثره سلبياً على الاقتصاد الوطني، وسيكون أحد أبواب الفساد (بحسب تقرير اللجنة)، موصية بتقليص الميزانية إلى 78 ملياراً، علماً أنّ الحكومة ما زالت تؤدّي أعمالها من دون اعتماد للميزانية، وما زالت معتمدة على بند الطوارئ الذي استحدثته حكومة فايز السراج، للحدّ من سيطرة المصرف المركزي والرقابة على أوجه الصرف، الذي أدّى إلى التوسع في الإنفاق العام، والصرف منه في أمور ليست مستعجلة، ولا تتسم بالطارئ الذي نص عليه القانون المالي للدولة.
معضلةٌ أخرى ما زالت تواجه حكومة الوحدة الوطنية، هي اعتماد فكرة المحاصصة على أساس المناطق والأقاليم الجغرافية واعتمادها آلية لاختيار الوزراء، وأدّت إلى عرقلة اختيار الوكلاء العامين ومن سيتولون المناصب العليا الشاغرة، بسبب اعتمادها الأسلوب نفسه. فعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت لها، لجهة جعل المناصب السياسية والسيادية إرثاً لمنطقة معينة دون أخرى، بالإضافة إلى خطورتها في نسف معنى دولة المؤسسات، لأنّها تعتمد على ترضية أبناء الأقاليم على حساب المصلحة العليا للبلاد، فإنّ اضطرار الدبيبة إلى الاعتماد عليها واعترافه بأنّها "فرضت نفسها" أدّى إلى شرعنة هذه الآلية، واعتبارها الأساس الذي سيعتمد في اختيار المناصب السيادية الأخرى، التي يُخشى من أن تصبح أساساً يفرض نفسه في كلّ الاختيارات، بما فيها الإدارات الوسطى في المؤسسات الحكومية المختلفة، في مجتمعٍ لا يمكن إغفال طبيعته القبلية وتقديمها على كلّ المعايير الأخرى.
تحدّيات جمة تزرع جسراً من الألغام أمام حكومة الوحدة الوطنية، يجعلها في اختبار حقيقي بشأن قدرتها على اجتياز هذه التحدّيات، والتغلب على هذه المصاعب، ومواجهة الملفات التي ظنت أنّ تجاهلها قد يساهم في تحييدها، وإن إلى حين. وفي مقدمة هذه الملفات توحيد المؤسسة العسكرية، ومناقشة وضع حفتر ومليشياته، بالإضافة إلى ملف المرتزقة الذين يعدّ ترحيلهم مطلباً ملحّاً، وإنّ الحديث عنهم تحدٍّ بارز يواجه الحكومة، لارتباطهم بدول مؤثرة بالشأن الليبي، بالإضافة إلى الإسراع في الإصلاحات الاقتصادية التي تنعكس على حياة المواطن، وتخفّف من معاناته.