بايدن .. "إنشالله"

15 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

في مناظرته الأولى مع الرئيس الأميركي والمرشّح للعهد الجديد عن الحزب الجمهوري، استخدم مرشح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة، جو بايدن، تعبيرا عربيا شائعا بصبغته الإسلامية عالمياً، وهو "إن شاء الله" الذي نطقه بايدن بالعربية الدارجة أو المحكية، "إنشالله"، فأضفى ذلك الاستخدام المفاجئ في المناظرة التي تابعها ملايين المشاهدين في العالم كله نوعاً من الإحساس بالغرابة والطرافة لدى من يعرف معنى ذلك التعبير في حقيقته، وكما تحوّر لاحقا بما لا يعكس حقيقته بدقة. من الواضح أن بايدن استخدمه على سبيل السخرية من ترامب الذي وعده والمشاهدين بالكشف عن سجلاته الضريبية، فرد عليه بايدن فورا: متى؟ إنشالله؟ وهذا يعني أنه يشكّك في التزام ترامب بوعده. 

واضح أن بايدن تعلّم تلك العبارة بتحوّرها الأخير حتى لدى الناطقين بالعربية، فبدلا من أن تكون توكيدا على فعل الشيء، وربطه بمشيئة الله، للدلالة على أن لا شيء يمكن أن يجعل من يعد بالأمر عبر استخدام تلك العبارة من يتخلّف عن الوفاء بوعده إلا الله، أصبح معناها الشائع هو العكس، أي عدم حدوث ذلك الشيء المعني أبدا، أو على الأقل عدم معرفة الموعد المحدّد لحدوثه. وهذا ما شاع في ترجمات العبارة التي استغربها كثيرون من الأميركان، وغير الناطقين بالعربية حول العالم، ممن تابعوا المناظرة أيضا.

العجيب أن عربا ومسلمين كثيرين نظروا إلى تلك الحادثة اللغوية النادرة في المناظرات الأميركية نظرة إيجابية متوشّحة بالفخر والفرح. وعبّر بعضهم عن تلك الإيجابية، باعتبار أن بايدن متأثر باللغة العربية، أو بالأميركيين العرب، وأنه يستميلهم باستخدامها. حتى إن إحدى الأميركيات من أصول عربية علّقت في حسابها على "تويتر" بفرح؛ "إنه تأثيرنا".

كان من الممكن أن أشاركها ذلك الفرح بحجم "تأثيرهم" وأهميته على المرشّح للرئاسة الأميركية المقبلة، لو أنه استخدم التعبير المقصود بمعناه القرآني الحقيقي الجميل. أما وقد استعار المعنى المشوّه، من دون قصد ولا معرفة، كما يبدو، فالأمر أصبح، من وجهة نظري، يستدعي تدخّل مجامع اللغة العربية التي تكاثرت في العقود الأخيرة من دون إنجاز حقيقي كبير لها. فلماذا لا يبدأ الإنجاز من هنا؟ أعني من وسائل الإعلام القديم والجديد، ومما يشيع به ويبث من خلاله؟ إنه وريد البشرية الجديد في معرفتها وثقافتها، وبالتالي لن يكون غريبا أن تخرج تلك المعاجم من حالتها السكونية إلى صخب الحياة في شوارع الإعلام.

نعرف أن اللغة، أي لغة، كائنٌ حيٌّ يتفاعل باستمرار مع معطيات الحياة. ويمكن تقييم قوة لغةٍ ما بمقدار قدرتها على التفاعل الحي مع المستجدات، وتفاعلها مع اللغات والثقافات الأخرى تأثيرا وتأثرا. ويؤكد كثيرون من دارسي اللغات الحية أن اللغة العربية تقف في طليعة اللغات المتفاعلة، ليس مع مستجدّات الحياة ومعطياتها وحسب، بل أيضا مع اللغات الأخرى وإمكاناتها التبادلية. ولهذا يمكن استثمار تلك الخاصية في توكيد أهميتها الثقافية عبر العالم كله، ومن خلال أي حادثةٍ تتعلق بها هنا أو هناك.. كحادثة بايدن اللغوية أخيرا.

لا بد، إذن، من استغلال هذه الحادثة التي تبدو عابرة، وما هي بعابرة، لتوضيح معنى عبارة إن شاء الله الحقيقي، وتوكيد الفلسفة التفاؤلية والإيمانية الكامنة وراءها، والتي عبرت بها وعبّرت عنها اللغة العربية بهذا الإيجاز البليغ. وهنا يمكننا أن نتحدّث عن تأثير اللغة العربية ثقافيا على الناطقين بها من غير أهلها، فهل يحدث ذلك فعلا؟ إن شاء الله!