أبعد من وادي السحتن

أبعد من وادي السحتن

27 سبتمبر 2021
الصورة

مركبة في وادي السحتن في جبال الحجر في عُمان (Getty)

+ الخط -

"وادي السحتن" قرية عُمانية في ولاية الرستاق، جنوب منطقة الباطنة. كان يُضرب بها المثل في البعد. والآن، حتى بعد أن رُصفت الشوارع للوصول إليها في ساعات قليلة، بعد أن يعبر السائق ولاية الرستاق، ما زالت تُرمى بالبعد، وإن صار الحديث عن بُعدها يقترن ببعض المرح. أتذكّر مشاهد من طفولتي في المدينة التجارية مطرح، في ثمانينيات القرن الماضي وأواخر سبعينياته، حين كان رجلٌ من سكان وادي السحتن يأتي إلى دكّان والدي، وكيف كان الأطفال يحيطون به مستغربين. سرعان ما كنت أنضمّ إليهم، وتزيد أعداد المتحلقين حوله، بعد أن يلتحق بالحلَقة أطفالٌ آخرون من السوق. كان الأمر يبدو لنا عجيبا، أن يأتي رجلٌ من وادي السحتن، البعيد. كان ذلك الزائر الاستثنائي يجلس حافي القدمين، مرتديا "دشداشة" جزعية اللون (بلون الكركم)، ويصرّ رأسَه بمصرٍّ أصفر، وعيناه متوجستان، لكنْ يومِض منهما شعورٌ بالفخر.
لم يكن زائرنا العجيب ذاك يتكلّم عادة إلا بعد وقت طويل من وصوله. وحين يصل، يكون محطّ استقبال وترحاب من الحاضرين. يضيّفونه بالتمر والماء والقهوة. وهناك من يتطوّعون ليشتروا له عصير "رنّ جوس"، ليبلّ به ريقه الناشف لطول رحلته. ووقت الغداء، كان والدي يرافقه إلى البيت، في منطقة وادي عدي، ثم يعود معه إلى الدكان. وفي الليل، يرافقه مجدّدا لكي يتعشّى وينام.
نكون، نحن الصغار، متلهفين لسماع حديث الرجل القادم من بعيد، لكنه لم يكن ينبس ببنت شفة. لا بد أنه يُخفي مغامرة طويلة، ورأى في طريقه عددا لا يحصى من ذئاب وثعالب وأرانب. وفي الصباح، بعد أن يفطر، نجده ينتظر أبي عند الباب الخارجي، مقرفِصا على رجليه الحافيتين. يذهب معه إلى مطرح، ثم يختفي في زحمة السوق ومنعرجاته، ثم لا نراه إلا بعد مضي عام.
يقول ماركيز: "ليس المهم أن تصل إلى الجبل، الأهمّ هو طريق الوصول". الطريق الآن ممهّد، ويمكنك أن تصل بيسر إلى قرى وادي السحتن التي يقال إنها "مندوس" عُمان، لوجود عدد وفير من سفرجل وليمون وعنب وأمبا، ناهيك عن الخضر، بمختلف أنواعها. كنّا في ما مضى، حين نذهب إلى هناك، وكنّا حينئذ أطفالا، نتحرّك في قافلةٍ صغيرةٍ من سيارتين أو ثلاث، رباعية الدفع، أو سيارات "بيك أب" نتركها على مشارف القرى، ثم نُكمل بقية الطريق راجلين. ولكننا لا نعود سريعا، بسبب وعورة الطريق، بل نبقى هناك أياما. وأتذكّر كيف كان مضيفنا يحتال لأخذ مفتاح سيارة أحدنا بمجرَد ما نشير له بضرورة رجوعنا. ولن يُرجِع المفتاح إلا بعد أن يتعلّل له بحيل ضرورة التحاقنا نحن الصغار بمدارسنا، إنْ كان الوقت شتاء، أو بأي حيل أخرى مقبولة. وخلال فترة مكوثنا هناك، كنا نتنقل من بيت إلى آخر باستضافةٍ من هذا أو ذاك من سكان تلك البلدة الجبلية المضيافة. ونكون نحن الأطفال في أوج فرحنا ودهشتنا أيضا.
اليوم، يمكنك أن تذهب بسهولة بسيارتك إلى وادي السحتن، بقليل من الدهشة. ولن تلقى ذلك الترحاب الحارّ، لأن السكان اعتادوا على الزوار، خصوصا السياح الذين تستوقفهم المرتفعات والمشاهد العظيمة للجبال المحيطة بالقرى. وإذا صادفت أحد الأهالي، فإنه يقف في الطريق ليحييك، وأنت في سيارتك. سيدعوك مجاملة لاحتساء القهوة في بيته، لكنْ من دون أن يصرّ على ذلك، لأنه يرى كثيرين كل يوم. لكنه سيرفع يده تحية لك، ولن يخفضها إلا بعد أن تختفي سيارتك من أمام ناظريه.
ذات رحلة كنا، محمود الريماوي وأنا، في نيبال، المجاورة للهند. وعند قاعدة جبال الهيمالايا، جاءنا شاب عارضا علينا أن يأخذنا إلى القمة بواسطة طائرة. وطبعا، اعتذرنا عن العرض تلقائيا، إذ ما فائدة أن تصل إلى هناك في ظرف دقائق، فالوصول ليس هو المهم، بل الطريق، كما قال ماركيز. لم يعد وادي السحتن مكانا بعيدا، ولكن الذاكرة تستحضره مؤثثا بتفاصيل برعنا، نحن الأطفال، في الاحتماء بها. ذاكرتنا مليئة وحية، وحين نرى أطفالنا، ونتذكّر مقولة فرويد "الطفل أب الرجل"، نعرف أي كنزٍ كان ينتظرنا حين نصل إلى وادي السحتن، وكم هو محدودٌ زمن السرعة والآلة الحالي الذي يعيشه أبناؤنا.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي