اليوم جلبوع وغداً أوسلو

اليوم جلبوع وغداً أوسلو

10 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

مرّة أخرى، ينتصر السجين على السجّان، ومرّة أخرى يُبرهن الفلسطيني على أن "لا غرفة التوقيف باقيةٌ ولا زردُ السلاسل". يخرج الأسير الفلسطيني من فوّهة القَدر ليُبدّد ليلاً أراده الغاصب طويلاً. يُطرّز الأسرى الأحرار من تراب الأرض ممرّاً نحو الحرية والبحر، ويعبرون إلى الشمس خفافاً مثل نسائم أيلول. فتّح سوس فقوعة عند الفجر، ليلقي السلام على نسور تأبى العيش إلا في قمم الجبال. كل التحية لستةٍ أبطال أهانوا الاحتلال في كبد جبروته، وأصابوا السجّان في مقتل. دروس عظيمة قدّمها الأحرار الستة، وهم يخرجون من ظلمة السجن إلى فضاء الحرية، من فوّهة نفقٍ حفروه بالعرق والصبر وإرادةٍ لا تلين. دروسٌ على القابعين في سجن "أوسلو" قراءتها جيداً، وعليهم التمعّن في معانيها ملياً.

يتصادف الحدث العظيم مع ذكرى توقيع اتفاق أوسلو في 13 سبتمبر/ أيلول 2003، والذي لا يمكن أن يكون إلا وصفة لحرف بوصلة النضال الفلسطيني ضد المحتل، وتكريساً لواقع الاحتلال وفرض كيانه على الأرض وفي العقول والقلوب. لا حرّية تحققت للفلسطيني في دهاليز "أوسلو". وفي المقابل، أوغل السجّان في الاحتلال والاستيطان والتهويد، وتطبيع وجوده "اللاشرعي"، وتكريس كيانه في المنطقة. مرّ ما يزيد عن ربع قرن منذ وقع الرئيس محمود عباس اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وما زالت شواهد تؤكّد أنه لم يكن سوى جريمة مكتملة الأركان. ربع قرن من وهم السلام سلَّم الكيان الإسرائيلي صكّ الشرعية على ما يزيد عن 80% من فلسطين التاريخية، ومكّن الاحتلال من باقي الأرض الفلسطينية بعد إفراغها من أهلها بالمصادرة والهدم والسطو وتوطين أكثر من 700 ألف مستوطن، يقطنون في أكثر من 196 مستوطنة مرخّصة من الحكومة الإسرائيلية، وما يزيد عن 200 بؤرة استيطانية غير مرخصة. والمثير، بعد كل هذه السنوات من الفشل المتراكم والخسارات الفلسطينية المتزايدة، تمسّك بعضٍ فلسطيني بعقدة أو عقيدة "أوسلو"، التي كلفت الشعب الفلسطيني ما يزيد عن 80% من فلسطين التاريخية.

عام آخر يمضي منذ علق الفلسطيني في وحل نفق توهّمه بعضهم طريقاً يؤدّي إلى دولةٍ فلسطينية مستقلة على أرض الضفة الغربية وقطاع غزة، ووصفة سحرية لإحلال السلام في الشرق الأوسط، ولحظة فارقة في نقل المنطقة من حال الصراع إلى حال السلام السياسي والازدهار الاقتصادي. ومع توالي السنين، تتكشّف وجوه "أوسلو" التي وصفها المفكر الفلسطيني الراحل، إدوارد سعيد، بالورطة والمصيدة. سنوات متلاحقة من الوهم المتراكم رمت الفلسطيني في نفق مظلم، وقد قدّمت قيادة منظمة التحرير تنازلاً تاريخياً باعترافها بـ"حق إسرائيل في الوجود" وشرعية احتلالها 87% من أرض فلسطين. نفق سياسي ظالم ومظلم قزّم المشروع الوطني وحشره في سلطة حكم ذاتي، لا سلطة لها. وبدلاً من كبح جماح التوسّع الإسرائيلي الاستيطاني، فتح الاتفاق، الورطة، شهية إسرائيل لقضم الأرض الفلسطينية، وتشييد مزيد من المستعمرات، وتسريع تهويد ما تبقى من بيوت القدس وشوارعها، ومضاعفة أعداد المستوطنين.

طالت سنوات سجن "أوسلو" العجاف. ولكن، كما لم تقتل جدران "جلبوع" حلم الفلسطيني في الحرية، سيطل الفلسطيني قريباً من أقبية "أوسلو"، فهذا "الليل زائلٌ.. وحبوب سنبلة تجفّ ستملأ الوادي سنابل".