اليسار المغربي بين أحلام الماضي وشعبوية الحاضر

اليسار المغربي بين أحلام الماضي وشعبوية الحاضر

17 يوليو 2021
الصورة

(محمد شبعة)

+ الخط -

لم تبق إلا أسابيع للانتخابات التشريعية والبلدية في المغرب، يوم 8 سبتمبر/ أيلول، وستكون بعد عقد على بداية الربيع العربي، وبعد عشر سنوات من وصول حزب العدالة والتنمية، ذي المرجعية الإسلامية، إلى رئاسة الحكومة، وتسييره عدة ائتلافات حكومية، يمكن اعتبارها هجينة بالنظر إلى الاختلافات الإيديولوجية والسياسية التي تفرّق بين مكونات أحزاب التآلف، أو بالأحرى التوافق الحكومي، فقد جمعت هذه الحكومات بين الإسلامي والشيوعي، وبين الليبرالي والمحافظ، وبين اليميني واليساري، في حكومات فسيفسائية، تعبر عن معظم مشارب التوجهات السياسية في البلد، وعن اليسار المغربي، بالرغم من تمكُّن منتسبي هذا التيار من النفاذ إلى دواليب الدولة، بل والتحكم في عديد من مفاصلها منذ وصولهم إلى الحكم، في ظل ما سميت حكومة التناوب التي ترأسها عبد الرحمن اليوسفي، في أواخر عهد الملك الراحل الحسن الثاني، ومنذ رد الاعتبار إليهم مع إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة التي أسسها الملك محمد السادس، للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان في حقبة ما بعد الاستقلال، إلا أن هذا اليسار بقي متقوقعا على نفسه، ومحصورا في جزء من الطبقة السياسية والطلبة والمثقفين، وتضاءلت شعبيته، وهوت إلى قاع بحر عالم التنافس الانتخابي.

اعتقد يساريون كثيرون أن الفرصة سانحة مع الانفراج السياسي الذي عرفه المغرب، في ظل العهد الجديد، للوصول إلى مراكز النفوذ، ولتعويض الوقت الفائت، لكنهم فوجئوا بأن قوتهم وشعبيتهم التي لطالما تغنّوا بها في السبعينيات وأوائل الثمانينيات لم يبق منها إلا الأطلال، ولم تصمد أمام الزحف الإيديولوجي للجماعات والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، فاستشاط بعضهم غضبا، خصوصا منهم الذين لم ينالوا حقهم من السلطة، ولم يتمتعوا بقسمتهم من الكعكة، ولم يحظوا بالحظوة عند أعلى هرم السلطة، فبذلوا كل غال ونفيس للحصول على الرضا، ومن ثمّة للوصول إلى المُراد، وهذا ما تحقق لهم عندما فُرضوا إبّان الولاية التشريعية الأخيرة لرئاسة مجلس النواب المغربي، في حين أن عدد منتخبيهم لم يتعد نصف عُشُر عدد أعضاء مجلس النواب المغربي، أي حوالي 5%، بل واستطاعوا الحصول على مقاعد وزراية مهمة. .. خلاصة القول "رضوا بأن يكونوا مع الغنائم".

بقي اليسار متقوقعا على نفسه، ومحصورا في جزء من الطبقة السياسية والطلبة والمثقفين، وتضاءلت شعبيته، وهوت إلى قاع بحر عالم التنافس الانتخابي

لم يبق لهم إلا هذا السبيل، لأن وقت النضال فات أوانه، ولأن زمن الكفاح مرّ موسمه، فتخلوا عن المبادئ وتنازلوا عن المواقف، ورضوا بالفتات من المواقع، من دون أن يتخلوا عن الشعارات الرنانة والخطب المنانة التي تذكّر الشعب المغربي بالماضي النضالي العريق الذي بفضله تحقّقت الحرية، وتقدمت الديمقراطية، وتحسّنت حقوق الإنسان، وتحرّرت المرأة.

في بلد محافظ كالمغرب، لم يتعدّ عدد المصوّتين لمجموع أحزاب اليسار مجتمعة أكثر من 14% سنة 2016، ولم يناهز نصيبهم مجتمعين أكثر من 15% سنة 2011، أما أكبر الأحزاب اليسارية، وهو الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فقَدْ فقدَ هويته وبصيرته، وأصبح زعيمه إدريس لشكر محل سخرية أصدقائه قبل خصومه، وهو الرجل الذي عندما قطع الشك باليقين بعدم استوزاره في الحكومة الأولى لسعد الدين العثماني، وهو الوزير السابق والسياسي المحنك، ترجّى وطلب تعيين ابنته.

لم يتعدّ عدد المصوّتين لمجموع أحزاب اليسار مجتمعة أكثر من 14% سنة 2016

خرج علينا هذا الزعيم الشعبوي، قبل أيام، على القناة الإخبارية المغربية، مصرّحا بأنه يصعب على حزبه إعادة التجربة نفسها مع حزب العدالة والتنمية، لأنه عانى الكثير، ويأمل في تناوب جديد، وكأنه حنين إلى ماض قريب، فترة حكومة التناوب، وكأن الرجل قد نسي أنه فُرض فرضا على رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، وتناسى أن فترة ما سمي "البلوكاج"، أي الانسداد السياسي الذي تسبب في إقالة رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران، كانت بسبب رفضه إدخال هذا الحزب للحكومة، ولمّا أقسم على ذلك، في خطاب جماهيري، أُقيل وأُبعِد لئلا نقول عُزل وطُرد.

ليست المقالة هنا بصدد الدفاع عن حزب العدالة والتنمية (الحاكم)، فقد كان مستعدّا للتخلي عن مواقع سابقة، ولديه القابلية للتنازل في مقابل الحفاظ على ما أمكن من المكتسبات، ولا سيما أن مسلسل التنازلات والتراجعات ليس وليد اليوم، إذ بدأ منذ أفول نجم الربيع العربي، وتَغَوُّل الثورة المضادة، وعلى منوال ما حدث في بعض البلدان العربية، تم استغلال بعض الأطراف المحسوبة على القوى التقدّمية والحداثية، وللأسف للقيام بالدور القذر.

يوجد في صفوف اليسار المغربي مناضلون، همّتهم عالية، وطموحهم خدمة الوطن والتقدّم به إلى الأمام، وهم في كل الأحزاب اليسارية، والمغرب في حاجة إليهم وإلى وجودهم في المشهد الحزبي والسياسي، وفي حاجة إلى رجالاتٍ في حزب الاتحاد الاشتراكي، من أمثال زعيمه الراحل عبد الرحيم بوعبيد، المعروف بمواقفه الوطنية والرجولية، أو محمد عابد الجابري، بنظريته عن ضرورة الكتلة التاريخية وبأفكاره المتنورة ونقده العقل العربي الذي أصبح اليوم في أمسّ الحاجة إلى إعادة الابتكار، أو الحبيب الفرقاني، لجلاء دخان الأزمنة المحترقة (في إشارة إلى ديوانه الشعري). المغرب في غنىً عمّن يبيعون الوهم، ويسوقون السراب، ويروّجون منطقا عفا عنه الزمن، فما هكذا تورد الإبل، وما هكذا سينتفع الوطن، ولا سيسترجع اليسار عافيته، هؤلاء مثل "المُنْبَتّ لا أرضا قطع ولا ظهْرا أبقى".