المطبعون في قلوبهم مرضٌ وذاكرتهم هباء

01 ديسمبر 2020
الصورة

مغاربة يحتجون ضد مشاركة إسرائيلية في اجتماع برلماني متوسطي في الرباط (25/3/2012/فرانس برس)

+ الخط -

القضية الفلسطينية مأساة العرب والمسلمين المستعرة، وإحدى أمهات القضايا عند أحرار العالم وحرائره. وحسبنا هنا أن نسترجع بعض تواريخها ومنعطفاتها في حرم هيئة الأمم المتحدة، حتى نرى ونوقن كيف تنبني "الشرعية الدولية" على منطق القوة والأمر الواقع من جهة، وعلى ازدواجية المكاييل والمقاييس من جهة ثانية، فقبيل إنشاء دولة إسرائيل على "ذكريات توراتية" (بتعبير جاك بيرك) وبالغصب والإرهاب (مشخّصين في جماعتي أرغون وهاغـانا)، كان قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181 (29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1947) قد تبنّى مشروع تقسيم فلسطين، الخاضعة إذ ذاك للانتداب البريطاني، إلى دولتين: واحدة يهودية والأخرى فلسطينية (تضم الجليل الأعلى والضفة الغربية والقدس بشطريها وغزة). أما اليوم فقد ذهب ذلك القرار أدراج الرياح، وخلفه قرار مجلس الأمن 242 الذي لا يتحدّث إلاّ عن وجوب انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب حزيران 1967، فصار أفق التحرّكات السياسية كلها لفض "النزاع العربي - الإسرائيلي" محدوداً بهذا القرار الأخير، ولا شيء غيره، حتى بعد أن تغيّر رقمه إلى 338 غداة حرب أكتوبر 1973؛ بل لقد تناقص مضمونه حول وضع مدينة القدس في اتفاقية أوسلو (13 سبتمبر/ أيلول 1993)، التي صار أرييل شارون بعيدها يعلن مراراً أنها لاغية. وعلى الرغم من فظاعة الحيْف التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني، ظلت "الشرعية الدولية" عاجزة عن تطبيق حتى قراراتها الدنيا المستصدرة منذ ما يزيد عن نصف قرن مضى على نكبة 67. وهكذا بات الفلسطينيون، على مرّ السنين وتناوب حزبي الليكود والعمل وحلفائهم الدينيين الغلاة المتنفذين، يعانون من تبعات ذلك الظلم الفادح المسلط على حياتهم وأرواحهم وأراضيهم.. أما أميركا فإنها ما زالت، وأكثر من الأمس، عاجزة عن إعادة النظر الجذرية في سياستها الشرق - أوسطية، القائمة على تحيز مطلق لدولة إسرائيل، وعلى سوء تقدير متواتر للقضية الفلسطينية، وكذلك لرمزية مدينة القدس الدينية والتاريخية في وجدان كل المسلمين. وإن تلك السياسة قد تأدّت بالجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، وإنْ بفوارق غير دالة، إلى خدمة تلك الدولة منذ نشأتها بشتى أنواع الدعم بما فيها استعمال الڤيتو الأميركي في مجلس الأمن ما يفوق ثلاثين مرة منذ 1948، حتى أضحت إسرائيل كأنها عضو سرّي ضمن أعضاء هذا المجلس الدائمين، بل الولاية الأميركية الواحدة والخمسين. ويقرّ تقرير لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن استعمال الڤيتو من أهم الركائز التي تحفظ للولايات المتحدة مصالحها الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط. والواقع أن هذه العلاقة العضوية بين الدولتين هي التي تقبِّحُ صورة القوة العظمى في العالمين، العربي والإسلامي، مع أن لها القدرة، ولو في حدود، على ردع ربيبتها وترشيدها، كما فعلت ذلك في فترات زمنية متباعدة: 1956 إبّان العدوان الثلاثي على مصر في ولاية أيزنهاور؛ 1981: حؤول إدارة ريغان دون دخول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت؛ 1991 منع إدارة بوش الأب إسرائيل من الرد على صواريخ سكود العراقية في حرب الخليج الثانية، ولعل أول مؤشّر "إيجابي" أعاد في حينه بعض الأمل تصريح بوش ذاك، غير المسبوق أميركياً، عن حق الفلسطينيين في دولة مستقلة، وضرورة تطبيق القرارات الأممية في الشأن ذاته، وردّد هذا التصريح أيضاً رئيس وزراء بريطانيا في حينه، توني بلير، متبنياً إياه، وذلك بعد الضربة الموجعة الفادحة في 11 سبتمبر/ أيلول 2001..

عملية السلام التي وضعت مبادئها اتفاقيات أوسلو، وأكّدتها خريطة الطريق من بعد، يظهر أنها في حالة تلاشٍ متقدّم

ويبقى أن الترجمات الفعلية المحسوسة لذلك كله هي اليوم المطلوبة على وجه الأسبقية والاستعجال، ولو أن الغالب على المشهد أمام أعيننا تعطيلها المستمر على نحو ممنهجٍ، بسبب سياسة شنِّ حروب ومذابح جماعية متلاحقة بأسماء شتى من الدولة العبرية ضد الشعب الفلسطيني وقياداته؛ ولن تكون آخر فصولها حرب الدرع الواقي على غزة صيف 2014.. وهكذا فحتى حَلُّ الدولتين الذي صادق عليه مجلس الأمن بالإجماع، عدا صوت سورية، (13 مارس/ آذار 2002)، ذهب هو أيضا أدراج رياح عاتية. وهذه السياسة المتمرّدة منذ عقود على كل قرارت هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والقائمة على إرهابية شاملةِ التسلح برّا وجوا وبحرا، هي التي تغذّي راديكالية كل من يرى، فلسطينيا وعربيا، أن الصراع ضد إسرائيل تاريخيٌّ مصيري، وأنه الوجه الآخر لصراع العرب ضد تأخرهم وتمزّقاتهم المهيضة.
وعليه، دعاة التطبيع أكّالو السُّحبِ إنما يهرولون نحوه مستسلمين صاغرين وخاسرين خاسئين. والحال أن سلاما يحرّر الفلسطينيين وينصفهم يبدو موعده اليوم أبعدَ من ذي قبل، فعملية السلام، حسب الكلمة المستهلكة، والتي وضعت مبادئها اتفاقيات أوسلو الآنفة الذكر وأكّدتها خريطة الطريق من بعد، يظهر أنها في حالة تلاشٍ متقدّم، علاوة على أنها لم تحظ منذ البدء بتزكية حركة حماس ووجوه من النخبة الفلسطينية (أبرزهم إدوارد سعيد وعزمي بشارة) وذلك، في نظرهم، لِما اعتورها من اختلالات تفاوضية (من أحدها حق عودة فلسطينيي 1948)، وكلها تبعدها عن أن تكون أساسا لسلام عادلٍ وحقيقي مستدام. وكيف لنا أن نقول بغير هذا والحكم في إسرائيل، إلى أي حزبٍ أو ائتلافٍ آل، يتمادى في سن سياسة عدوانية مستميتةٍ كاسحة ضد الفلسطينيين وأمكنة الذاكرة الإسلامية وضد مقوّمات السلام: توسيع المستعمرات في الضفة الغربية، اغتصاب أراض شاسعة في شرق المدينة المقدسة، تهويد مدينة القدس بقصد تنصيبها "عاصمة إسرائيل الأبدية"، وذلك عملا بالنصيحة المستهترة لمؤسس الدولة الصهيونية، بن غوريون "علينا أن نتوسع ونحتل مبتسمين"؛ هذا علاوة على بناء نفق تحت الحرم الإبراهيمي، وأوراش وحفريات في محيط المسجد الأقصى، وغيرها من إجراءات وتدابير تنزع إلى تثبيت الصراع في ميدانٍ دينيٍّ بالغ الحساسية، من طبيعته أن يعبئ مجموع العالم الإسلامي وحتى أطيافا مسيحية، سيما وأن الدولة العبرية ما زالت متشبثة بديانتها كدعامة مؤسسة لكيانها.

حَلُّ الدولتين الذي صادق عليه مجلس الأمن بالإجماع، عدا صوت سورية، (13 مارس/ آذار 2002)، ذهب أدراج رياح عاتية

ظلت إسرائيل في تجبّرها وغطرستها المستهترة، مدعومةً بالحبل السُّري الذي ما انفكّ يربطها عضويا بسياسة أميركا الرسمية الراسخة. وكل هذا الحيف الفظيع ومشتقاته قد تمخض عنه بروز جيل مقاومة جديد جُبل على العنف المضاد، درعا ووسيلة، جيل يسعى، بجدٍّ وتفانٍ، إلى تنمية قدراته الذاتية في التمكّن ما استطاع من أسباب القوة الرادعة الواعدة ومن التقنيات القتالية المتطورة، كما من تكنولوجيات التواصل الحديثة وطرائق السياسة النافعة الفاعلة. وإنَّ كسْب معارك دالة ضد الدولة الصهيونية، كما يرى هذا الجيل، ومعه شرائح عريضة من الشعوب العربية وغيرها، هو من المؤشرات الحاسمة على عودة الهيبة والكرامة وروح الاتحاد المحصِّن والمنتج إلى بلداننا ونخبنا وسياسيينا.
ذلك غيض من فيض، لو أن دعاة التطبيع اكتفوا به وحده وأدخلوه في التصور والحسبان، إذن لخجلوا من أنفسهم وأخزوها، ثم لأدركوا أن المغرب، على سبيل المثال فحسب، الذي يرأس ملكه لجنة بيت مال القدس، له شفراتٌ عُمقيةٌ ترياقيةٌ تعود إلى عهد مؤسس الدولة العلوية، السلطان إسماعيل، المبادر إلى جعل عائدات زيتون حمرية الشاسعة بمكناس وقفا على الحرمين الشريفين. وبالتالي، المغرب محصّن ضد شرور الذئاب الضالّة، وأفاعيل الخائضين في المياه العكرة، وباعة الخدع والأسربة، يعرفهم أحرار هذا البلد الأبيِّ الصامد بسيماهم من كثرة الخنوع والركوع لأسيادهم ومحرّكيهم. ولا حاجة بنا إلى تجريمهم، نظرا إلى صعوبة التطبيق القضائي الجنائيّ عليهم، إذ يكفي أن يظهروا للناس كأشباههم العرب ساقطين من أعينهم، فاقدين أيّ مصداقية وأيّ اعتبار. ومن أولئك الأحرار من توفقوا في منع جزَّارِ قانا، شمعون بيريز، من حضور ملتقى مؤسسة بيل كلينتون المنعقد في 5/7/1997 بمراكش، وكان قد دُعي له بصفات عدة، منها (يا للمفارقة الممضّة!) حصوله على جائزة نوبل للسلام، واعتباره من فئة "الحمائم" بين ساسة إسرائيل وأركان جيشها، فهل يتعظ سماسرة التطبيع وممارسوه سرّا أو في رابعة النهار؟ وعلى أي حال، ففلسطين ومسجدها الحرام ومسجدها الأقصى لن تكون أبدا للبيع في سوق النخاسة أو ما ماثله، كما سجلنا في مقال سابق في "العربي الجديد"، وهذا بقرار لا رجعة فيه من الشعوب العربية والإسلامية، ومن قادة أبرار، منهم، على سبيل المثال، عبد الحميد الثاني السلطان العثماني الملقب بالأحمر الذي رفض رفضا قاطعا بيع فلسطين لليهود، على الرغم من ضائقة خزينته المالية وقتذاك، وبالشهيد الملك فيصل والشيخ زايد والشيخ صباح الأحمد والزعيم جمال عبد الناصر وغيرهم، تغمدهم الله جميعا بواسع رحمته وأسكنهم فسيح جناته، مع الصالحين والأتقياء.

الأمل معقود على جيل المقاومين الجدد، وجاهزية العالم العربي والإسلامي في اكتساب أسباب القوة والمناعة الذاتية

... مع ولاية دونالد ترامب المنتهية قريبا، وتمادي إسرائيل في تقتيل الفلسطينيين والعبث بحقوقهم، نرى قضيتهم تزداد مأساويةً واستعارا، ومجالهم الحيوي ضيقا وضنكا، وذلك بسبب استماتة إسرائيل في ضم أراضيهم وتوسيع المستعمرات ضدّا عليهم، وعلى القوانين والقرارات الدولية. وها هو نتنياهو يوغل في تنفيذ ذلك، مضيفا أقصى العنف والشراسة في استرخاص أرواح شباب فلسطين في أثناء مسيرات العودة، وفي الاستهتار بكل القوانين الدولية والقيم الإنسانية. السياسة الأميركية حيال القضية الفلسطينية تأدّت، في المحصلة، بالجمهوريين والديمقراطيين، مع فروق عرضية أو طفيفة، إلى خدمة الدولة الإسرائيلية منذ نشأتها في 1948. ومنها قرار ترامب، الإنجيلي حتى النخاع، نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس الشرقية، واعترافه بالقدس كلها عاصمة لإسرائيل الأبدية، حسب تعبير الصهاينة بجميع أطيافهم. 
الغالب على المشهد اليوم أكثر من ذي قبل التعطيل المستمر لحل الدولتين، وذلك بسبب سياسة الحرب المستدامة التي تتبعها الدولة العبرية ضد الشعب الفلسطيني وقيادته. وعلى الرغم من مرور سبعة عقود على القضية الفلسطينية، الأمل معقود على جيل المقاومين الجدد، وجاهزية العالم العربي والإسلامي في اكتساب أسباب القوة والمناعة الذاتية، وتغيير ميزان القوى لصالحه، ما يستلزم بالضرورة رص الصف الفلسطيني رصّا منيعا وتوحيده وتمكينه من السلاحيْن، المادي والروحي، فإسرائيل، كما نعلم، تتوفر وحدها في منطقة الشرق الأوسط كله على القنبلة النووية ذات المئتي وخمسين رأسا (فيما يُمنع على إيران تخصيب اليورانيوم ولو لغاية سلمية)، كما أن إسرائيل أعلنت الديانة اليهودية ورسَّمتها ركنا ركينا في بنية دولتها.. وعليه، إذا لم يتحقق ذلك الشرط الوجودي، ذو البعدين العسكري والمعنوي، فإن ما تسمى "صفقة القرن"، بل صفعة العار والخزي التي روّجتها إدارة ترامب، ما هي إلا أكذوبة بلقاء وفخ للإيقاع بالقضية الفلسطينية واغتيال حقوق الفلسطينيين في العودة، وإقامة دولتهم على أرضهم قبل يونيو/ حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وهذا ما عاكسته باستماتة وشراسة سياسة إدارة ترامب التي شجعت إسرائيل على توسيع مستعمراتها، وحتى على أن تكون لها مطامع ترابية في الضفة الغربية، وفي ضم غور الأردن وشمال البحر الميت. وللإشارة، قالت الديمقراطية رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، عن ترامب، إنه خليق بأن يُزجّ في السجن. ولعمري إن هذا لرجاء غالبية ساكنة المعمور الحر، عدا قاعدة ترامب الناخبة التي ستبقى بعده، والمكونة من فلاحين ورعاة البقر الجهلة وأشتات من الطبقات الوسطى ومن شريحة رجال المال والأعمال على شاكلته، هذا علاوة على حركة الإنجيليين البالغة الغلو، إذ تنشر بقوة الدعاية الكثيفة والتمويل الفائض عقيدة اليهود شعب الله المختار، وإن أرضهم الموعودة تمتد من النيل إلى الفرات. وفي خضم هذا الوضع المأساوي، يعاني الفلسطينيون من عذابٍ شديد، تؤجج نيرانه قوة أميركا العظمى، وحتى نيران بعض الدول "الشقيقة" التي شاركت في "ورشة المنامة" المذلة المستهترة، وتلهث اليوم وراء تطبيع مع إسرائيل التي تحدّده على مقاسها، وبشروطها الضاغطة القسرية، ولن يعود على المطبّعين إلا بحصة المغبون وبالويل والثبور من جماهير الشعوب. هل سينحو الرئيس الديمقراطي الجديد، جو بايدن، سياسة مغايرة لفظائع وحماقات سلفه، فيتوخّى إصلاح ما أفسده، ويطبعُ أميركا بقيم الإنصاف والأنسنة؟ فلننتظر حتى نرى (Wait and see)، مع الإغضاء عن الشعار المسجل على ورقة الدولار "باسم الله نتاجر IN GOD WE TRUST".