المثقفون العرب رهانا تاريخيا

المثقفون العرب رهانا تاريخيا

02 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

مع موجة الانقلابات التي شهدتها المنطقة منتصف القرن المنصرم، تمّت عسكرة السياسة، وتعميمها حتى حدّها الأقصى عبر إلغائها، بفرض اللون الواحد، وإلغاء المعارضة بكل ألوانها نهائيًا. في ظل هذا الوضع، كان أول مهام السلطة إلغاء الهوامش الديمقراطية التي أفرزتها التجربة الاستعمارية، على قاعدة إلغاء كل ما أفرزته التجربة الاستعمارية من هوامش ديمقراطية. عمل إلغاء الدولة العربية هذه الهوامش، وإلحاق مؤسسات المجتمع المدني بالدولة التي تمت عسكرتها، بصرف النظر عن شكل الحكم، مدنيا كان أم عسكريا، على زيادة صعوبة معركة المثقف، فقد افتقدت الدولة العربية الاستمرارية في تاريخها الحديث، فدولة الاستقلال شكلت قطيعةً مع تجربة الاستعمار، وأخذت تتضخّم على حساب قطاعات المجتمع الأخرى، حتى كادت تتطابق مع المجتمع. ومن هنا، تقلصت الهوامش، وأصبح التعبير عن الرأي المعارض، مهما كانت محدودية معارضته، يقع في دائرة المحرّم. افتقد المثقف العربي للأمان، وأصبح للرأي ثمن غال، ولا مستقبل له إلا إذا ساوم وساير السلطة، ولا يوجد "رأي عام" يلجأ إليه المثقف، إذا قرّر التمسّك بموقفه، وأن يقول كلمة صريحة من دون خوف، على حد تعبير هشام شرابي. وتجنبًا للمساءلة، أخذ المثقفون العرب يعوّمون المسائل من خلال تعميمها، وأخذت أشكال النقد الكلي تظهر من خلال تحليلات عامة لنقد العقل العربي أو الدولة العربية أو الاقتصاد العربي... إلخ، من دون أن يأخذ هذا النقد نموذجًا محدّدًا، لأن العام لا يعني أية دولة على التحديد، ولأن التحديد يعني المساءلة.

ما زالت الديمقراطية مهمة تملك راهنيتها وضرورتها، على الرغم من إخفاقات الربيع العربي

أسفرت الممارسة الاستبدادية للسلطة في العالم العربي بعد الاستقلال عن غياب المثقف إلى حد كبير باستثناء المريدين للسلطة، والذين يمارسون النقد العام. والقمع المتواصل الذي تعرّض له المثقف النقدي منذ الاستقلال أسفر عن هذا الغياب، إما بصمت المثقف، أو بتهجيره، وأما بسجنه. ويمتنع ظهور المثقف النقدي المستقل في ظل أوضاع كهذه، لأن ولادة المثقف وقدرته على التأثير ترتبط بقضايا تتجاوزه، فولادته في الغرب كانت في ظل استقرار الديمقراطية، ولأن المثقف النقدي يؤثر من خارج السلطة، لذلك يجب أن يمتلك المجتمع مساحةً من الحرية، لا يمكن من دونها أن يكون دوره إلا ناقصًا، فحتى يستطيع المثقف أن يقوم بدوره يحتاج، إلى وجود ساحة ثقافية مفتوحة على كل الممكنات، متحرّرة من السيطرة، ومن ضغوط السلطات العقائدية والدينية والسياسية، بحيث يكون النقد ممكنًا من الناحية المعرفية، من دون محاسبة أو مساءلة أو عقاب. ويرتبط هذا الانفتاح أيضًا بضمان حرّية التفكير والمعارضة والاحتجاج والتعبير عن الرأي، وأن يستطيع نشر المواقف المتعلقة بالمشكلات المطروحة على المجتمع.

لا يمكن رد تقصير المثقف إلى عوامل ذاتية، على الرغم من أهميتها، فهو في نهاية الأمر جزء من الفئات الاجتماعية التي يتشكّل منها المجتمع. والقول بالممارسة الاستبدادية للمثقفين في إطار تجمعاتهم واتحاداتهم لا يمكن أن يؤخذ دلالة على استبدادهم أكثر من السلطة السياسية، فهذه التجمعات هي مؤسسات في مجتمع معين، وتخضع لسلطة سياسية معينة، وللممارسة الاجتماعية والسياسية السائدة في المجتمع، وهي تأخذ المنحى ذاته في ظل تنوع انحيازات المثقفين، فتجمّعاتهم ليست خارج المجتمع، ولا هي فوقه، بل تحمل أمراضه ككل التجمعات الأخرى. فإذا كان المثقف النقدي يشعر بالعزلة والهامشية، فمردّ ذلك تضافر التراجعات والمساومة الذاتية وانكفاؤه على ذاته، مع العوامل القمعية التي تمارسها السلطة، بحرمانه من وسائل الاتصال التي تسيطر عليها. بالإضافة إلى محاسبته ومساءلته عن مواقفه من سلطات البلد التي ينتمي إليها إذا كان مقيما فيه، وأحد أهم عوامل الإحباط للمثقف النقدي أنه محرّم عليه القراءة في بيئته التي يفترض أنه يكتب عنها ولها، فلا أحد يكتب من أجل أن يحتفظ بما كتب.

عاد الاستبداد ممتطيًا الدولة العميقة التي أسّسها لنفسه

تستدعي كل العوامل السابقة، من التاريخ الوطني للمثقف، إلى تراجع دوره، إلى الممارسات القمعية... إلخ، مراجعة نقدية، بل يجب أن تكون هذه المراجعة مستمرة، وأن تطاول كل القضايا الذاتية، من دون أن تتجاوز الشروط الاجتماعية والتاريخية والسياسية التي يعيشها المثقف، فهو في الأساس كائنٌ ينتمي إلى ثقافة وتاريخ معينين. وباختصار "المرء لا يكون سوى نتاج مجتمع معين"، كما يقول زيغلر. ولهذا المجتمع قضاياه ومشكلاته التي تختلف عنها في المجتمعات الأخرى، وعلى المثقف، بوصفه عاملا في الشأن العام، الإدلاء بدلوه في هذه القضايا.

وفي العالم العربي، ما زالت الديمقراطية مهمة تملك راهنيتها وضرورتها، على الرغم من إخفاقات الربيع العربي، لأنها كآلية صراع سياسي تفسح للمجتمع إمكانية تحديد خياراته التاريخية، عبر إشراك المواطنين في عملية اتخاذ القرار بطريقة مجدية. والكلام عن ممارسة الديمقراطية بطريقة استبدادية في العالم الغربي لا يفقد الديمقراطية راهنيتها في العالم العربي. وإذا كان المطلوب تطبيق هذا الكلام على الدول العربية، نقدا مسبقا لتجربة غير موجودة، فهو يعني تساوي الاستبداد مع الديمقراطية، ما يفقد الديمقراطية والدعوة إليها أي معنى. وهذا لا ينطبق على احتياجات المجتمع العربي في هذه اللحظة التاريخية، فمجتمع ما قبل ديمقراطي يحتاج الديمقراطية آلية لحل الخلافات والنزاعات في المجتمع، طالما أن البشرية لم تجد وسيلة أفضل لحل هذه النزاعات، حتى لو كانت هذه الديمقراطية تمارس بطريقة استبدادية كما يقول بعضهم... فلنكتشف آليات الممارسة الاستبدادية للديمقراطية في تجربتنا الخاصة.

أسفرت الممارسة الاستبدادية للسلطة في العالم العربي بعد الاستقلال عن غياب المثقف إلى حد كبير باستثناء المريدين للسلطة

لا تأتي الديمقراطية بالعدوى، كما اعتقد بعض المثقفين العرب بعد انهيار الدول الاشتراكية، فهي تحتاج العمل في الإطار الوطني، لبحث عوائقها، والمجال الوطني هو الذي يحسم الخيار التاريخي، على الرغم من كل الروابط مع الخارج التي ينتجها العالم في ظل العولمة المتسارعة. واليوم يتأكد هذا أكثر، لأن التجربة الديمقراطية لا تأتي بالاحتجاج على الاستبداد، وحتى إطاحته فقط، بل يحتاج آليات ديمقراطية فعّالة بعد هذه الإطاحة. وإذا عاد الاستبداد ممتطيًا الدولة العميقة التي أسّسها لنفسه، فإن الصراع معه لا ينتهي بإطاحة رأس النظام، بل باجتثاث النظام من داخل مؤسسات الدولة ومن داخل المجتمع، كما أثبتت ثورات الربيع.

وفي ظل هذا الظرف الأكثر إحباطًا في التاريخ العربي، المثقف العربي ملزم بالوجود الكامل في كل القطاعات الساخنة التي تحسم المصير التاريخي للمنطقة، ولا يمكنه أن يهرُب من المسؤولية أو يدير ظهره لما جرى ويجري، كما يقول محمد أركون. وهذا الوجود يكون عبر فتح كل القضايا للنقاش، من دون تعابير مثل "الأمن الثقافي" كصيغة بوليسية تسيّج قضايا جديدة تمنع النقد في إطارها، ومن دون القول إن الثقافة هي الخندق الأخير الذي يوحي بأنها سليمة ويجب حمايتها، في الوقت الذي تعاني الثقافة فيه من أزمة حادّة، مثل كل قضايا المجتمع الأخرى. على المثقف أن يواجه أزمته، بأن يعثر على أنماط جديدة من العمل، تتجاوز القصور الذي أصاب دوره في العالم العربي الذي يقف على حافّة الانهيار. ويمكننا القول مع ريجيس دوبريه "لأن الأسوأ ممكن في أية لحظة، علينا أن نكون على أهبه الاستعداد".