الكتابة أم الكلام؟

04 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

هل الحكي أسهل من الكتابة فعلا؟ أم أنه الأقدر على التعبير الذاتي عما نشعر به، ويجول في خواطرنا من آراء وأفكار ومشاعر؟ الكلمات هي الكلمات، لكن وسيلته في الوصول إلى الآخرين هي ما يمكن أن يكون محور المقارنة في السؤال.

اشتكت لي شابة تبدأ خطواتها الأولى على درب الكتابة الروائية أنها أصبحت شبه مدمنةٍ على الحضور في غرف النقاش الصوتي في تطبيق كلوب هاوس هذه الأيام. وأن هذه ليست المشكلة، فهي لديها من الوقت ما يسمح لها بالانغماس في هوايتها الجديدة، لكن المشكلة أنها أصبحت تجد نفسها قادرة على التعبير عن أفكارها بسهولة وسرعة ويسر، عبر هذا التطبيق الذي يتيح الكلام خيارا وحيدا للتعبير عن الذات، مقارنةً بقدرتها على الكتابة في مقالاتها أو قصصها ورواياتها التي تأخذ منها وقتا طويلا في التحضير قبل الشروع في عملية الكتابة نفسها.

ينطبق ما قالته الكاتبة الشابة على معظمنا، حتى نحن الذين احترفنا حرفة الكتابة والأدب، ففي الكلام الذي يبدو عشوائيا وغير محضّر له مسبقا، ننطلق في أفكارنا بلا قيود، ولا حواجز حقيقية أو متوهمة. ويبدو أن هذا التطبيق في طبيعته الاستدراجية في إثارة شهوة الكلام والتشجيع عليها وجعلها شائقة، في ظل تنافسية عالية بين مستخدميه في الغرفة الواحدة، ساهم في تكريس هذه الفكرة الحقيقية في ظاهرها، فكل ما يمكن أن يقال، في سياق الكلام صوتيا، يبدو مجرّد تحضيرات غير مكتملة للأفكار المعتملة في النفس والمختبرة في أثرها على الآخرين عبر الكلام، لكن الكتابة هي التوثيق الحقيقي لتلك الأفكار في صورتها المكتملة وشبه النهائية على الأقل. أراقب أدائي في هذا التطبيق في غرف مختلفة، وأنا أتحدّث في قضايا كثيرة لم أكن لأجرؤ على الكتابة فيها سابقا. وأندهش من الأمر، واندفاعي فيه، لكنني تذكّرت أن هذه الموضوعات التي بدأت أتحدّث فيها في غرف "كلوب هاوس" الصوتية، بعيدا عن أفكاري المكتوبة شعرا ونثرا، هي نفسها موضوعاتي في حياتي العامة بين الآخرين، وأن التطبيق الجديد لم يفعل سوى أنه نظّمها في سياقاتٍ متناسقةٍ مع سياقات الآخرين من خلال عناوين الغرف المفتوحة للكلام والمشاركة. وهذا يعني أننا في حضرة الكتابة نحاول أن نمارس ثقافتنا كما حصّلناها بمجمل أعمارنا من تجاربنا في الحياة، ومن قراءاتنا وعلاقتنا ومشاهداتنا وغيرها، بعد أن تكون قد انصهرت في التجربة الشخصية واللغة الذاتية، وفقا لمقدار إجادتنا لها وحجم موهبتنا فيها، فنحن نجوّد لغتنا وأساليبنا في الكتابة بما يتوازى مع أفكارنا التي نريد التعبير عنها. وهذا يحدث في الكلام المرسل بالتأكيد، ولكن ليس بدقة ولا بتحضير مسبق، ما يشجّعنا على الانطلاق في الكلام أكثر من انطلاقنا في الكتابة في تلك الموضوعات العامة التي تمثل مادة الحياة وثقافتنا الموسوعية فيها.

قلت للشابة القلقة على موهبتها في الكتابة، في نهاية حديثي معها، إن موهبتها بخير، وإن قدرتها على الكتابة ستكون أقوى وأكثر صفاء بعد الآن، ليس لأنها أصبحت تتكلّم أكثر، بل لأن أفكارها، وهي مادّة كتاباتها الروائية، ستنتصر في تفاعلها مع كلام الآخرين ونقاشاتهم، ما يعطيها، كما أرى، مناعة ذاتية عندما تتحوّل إلى كلمات مكتوبة.

هل قلت لها ذلك طمأنة لها فعلا؟ أم لي وأنا أراقب تجوالي اليومي بين الغرف الصوتية عبر أجنحة من الكلام المتطاير في فضاء التطبيق الجديد؟ لا أدري.. فما أعرفه أن الولع في مواعيده الأولى، وأن الوقت ما زال مبكّرا لفسح الطريق أمام جيوش الملل، إن قرّرت أن تجتاح هذه المساحة المفتوحة على الأفق الآن.