"الربيع الروسي" ما زال بعيد المنال

03 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

اتخذت المظاهرات المناهضة لقيصر روسيا، فلاديمير بوتين، احتجاجاً على سجن خصمه، أليكسي نافالني، بعداً غير مسبوق يتحدى النظام الروسي، وذلك لأول مرة منذ ما يزيد قليلاً عن عشرين عاماً، وهي الفترة التي ظل فيها بوتين يحكم الاتحاد الروسي بيد من حديد. وبحسب مراقبين غربيين كثيرين، فإن زخم المظاهرات الحالية التي شهدتها نحو مائة مدينة روسية لها أبعاد أكثر من المطالبة بإطلاق سراح نافالني، فهي ترفع شعاراتٍ مناهضةً لبوتين، من قبيل "بوتين ارحل"، و"بوتين لص"، أكثر من شعارات المطالبة بإطلاق من بات يوصف بأنه رمز للوقوف في وجه قيصر روسيا القوي. إنها أكبر صرخةٍ شعبيةٍ تشهدها روسيا منذ عقدين ونيف، تحركها المشاعر المناهضة للسلطة البوليسية الجاثمة على أنفاس الناس، والفساد المستشري لنظام أولغارشي، والقمع القوي والصامت للحريات.
أغلب المتظاهرين الذين يملأون شوارع موسكو والمدن الروسية الأخرى التي انتقلت إليها عدوى التظاهرات هم من الشباب، تمّت تعبئتهم من خلال تطبيق "تيك توك"، وحركتهم غير مسيسة، لا تقف خلفها أحزاب سياسية. ونفالني نفسه ليس سياسياً منتخباً. إنه مجرد ناشط في مكافحة الفساد، اكتسب شهرته وشعبيته من خلال بث مقاطع فيديو وتوفير المعلومات للناس عن فساد السلطة، وعدم وجود محاسبة، وفي الوقت نفسه، كان يبين لهم حاجتهم إلى الحرية والديمقراطية لإصلاح الأوضاع. وكان آخر عمل قام به بعد اعتقاله نشر شريط فيديو مدته ساعتان تقريباً يظهر ما سمي "قصر بوتين" الذي بني على مساحة سبعة آلاف هكتار على شاطئ البحر الأسود، مع وثائق وفواتير تؤكد حجم المبالغ الكبيرة التي صرفت من أجل البناء والتأثيث، وقد حصد هذا الفيديو أكثر من 1.7 مليون مشاهدة في الأسبوع الأول من وضعه على "يوتيوب". وهو ما أغضب بوتين الذي اضطر إلى الخروج عن صمته المخيف، ونفي أن يكون هو صاحب القصر، وحتى يهدئ من غضب المحتجين، دفع أحد المليارديرات الروس إلى الادعاء، عبر قناة رسمية روسية، أن القصر ملكه، لكنه لم يكن مقنعاً، عندما لم يبرّر سبب حراسة ملكية خاصة يقوم بها جهاز الحماية الخاصة في الكرملين.

على الرغم من أن ما يحدث في روسيا ما زال بعيداً عما يمكن وصفه مقدمة لربيع روسي قادم، إلا أنها أول مرة يجد فيها بوتين نفسه في وضع سيئ

وللطعن في مصداقية خصمه، لجأ بوتين إلى أسلوبه القديم والقذر في الآن نفسه، من خلال تجييش وسائل الإعلام الرسمية والخاصة الخاضعة لتأثيره، لتشويه مصداقية نفالني، واتهامه بأنه عميل للغرب، تحرّكه الاستخبارات الأميركية، ووصفه بالشخص المخادع والمحتال والمتطرف والعنيف الذي يريد تعريض حياة الناس للخطر من خلال خلق الفوضى.. وغيرها من اتهامات جاهزة تستعملها الأنظمة المستبدة للطعن في مصداقية معارضيها.
وعلى الرغم من أن ما يحدث الآن في روسيا ما زال بعيداً عما يمكن وصفه مقدمة لربيع روسي قادم، إلا أنها أول مرة منذ تولى بوتين السلطة، يجد فيها نفسه في وضع سيئ إلى درجة أنه بات خائفاً من معارضٍ فردٍ اسمه نافالني، حاول تسميمه ثم اختطف طائرته لتجنب أن يستقبله أنصاره، وفي النهاية احتجزه من دون حكم نافذ يأمر بحبسه. وينم هذا الارتباك عن حالة قلق تضغط بقوة على صانع القرار في روسيا. وما يزيد الوضع توتراً بالنسبة إليه خشية تكرار أحداث بيلاروسيا المجاورة، وانتقال عدوى المظاهرات فيها إلى الداخل الروسي، يضاف إلى ذلك الوضع الاقتصادي المتدهور بسبب العقوبات الأميركية، والوضع الصحي السيئ جرّاء وباء كورونا.

قد يلجأ بوتين مرة أخرى إلى إيقاظ ردود الفعل القومية القديمة على النمط السوفييتي، لمواجهة المتظاهرين الذين يتهمهم بالموالاة للغرب

الأسوأ في هذه المظاهرات، بالنسبة لبوتين، أنها جاءت وهو يهيئ فرض نفسه رئيساٍ على روسيا حتى عام 2036، بعد أن نجح في الحفاظ على السلطة خلال العقدين الماضيين. فالدستور الروسي كان يمنع الترشح لولاية ثالثة على التوالي، ولهذا السبب تخلى بوتين عام 2008 عن الرئاسة لشخصية باهتة، هو ديمتري ميدفيديف، بينما حافظ هو على السلطة الحقيقية، حتى استعاد كرسي الرئاسة عام 2012، وابتكر حيلة أخرى بتمديد الولاية الرئاسية من أربع إلى ست سنوات، وأعيد انتخابه عام 2018 ما يضمن له البقاء في السلطة حتى 2024 وعندئذ سيكون عمره قد بلغ 72 عاماً، وسيجد نفسه أمام خيارين، إما إعادة سيناريو عام 2008 باختيار رئيس وزراء ضعيف، ويعود هو إلى الخلف لإدارة دفّة السلطة من موقع رئيس الحكومة، ولكن هذا السيناريو أصبح مبتذلاً، أو إعادة تعديل الدستور مرة أخرى بما يضمن له البقاء في السلطة حتى عام 2036، وهو السيناريو الذي خطط له بوتين.
ولتحقيق الخيار الثاني، وهو الأرجح، قد يلجأ بوتين مرة أخرى إلى إيقاظ ردود الفعل القومية القديمة على النمط السوفييتي، لمواجهة المتظاهرين الذين يتهمهم بالموالاة للغرب، وقمع تظاهراتهم بشدّة، أكثر مما فعل حتى الآن، وزج مزيد من الآلاف منهم في السجون لترهيب الشعب، فرجل المخابرات الغامض لن يعدم الحيلة للنجاة بجلده مرة أخرى. لقد سبق له أن نجا من العديد من الفضائح التي تتهمه بالفساد، كما سبق له أن قمع بدون تردّد كل المظاهرات المناهضة لحكمه، سمّم معارضيه، ودجّن الأحزاب وقضى على المعارضة وقتل السياسة في بلاده، وهو ما يجعل حدوث "الربيع الروسي" بعيد المنال. ولكن، وفي كل الحالات، تمثل حملة مساندة نافالني، والدعم المتزايد لها في روسيا وفي الغرب، مستقبلاً بديلاً للروس الشباب، وقد تضع حداً لأطول حكم قمعي شهدته روسيا منذ نهاية الاتحاد السوفييتي البائد.