الحكم الرشيد والتخلّص من الاستبداد العتيد

18 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

يشكل عبد الرحمن الكواكبي، في حقيقة الأمر، في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" سبقا مهما في معالجة الظاهرة الاستبدادية في طريقته ومنهجه الذي اتبعه في تحليلها، إلا أن سبقَه لا يتعلق بوصف هذه الظاهرة والحديث عن شبكيتها فحسب، ولكنه أيضا قدّم مداخل مهمة في التخلص من الظاهرة الاستبدادية وتفكيكها، ومن ثم كان اهتمامه، في الفصل الأخير في خاتمة كتابه؛ بالحديث عن أهم معاني الحكم الرشيد، قبل أن يبرز ذلك المصطلح، ليعبر بذلك عن سبقٍ آخر، لابد أن نؤكد عليه، حينما يجعل الفيصل في تشييد الحكم الرشيد إنما هو نمط ذلك الحكم الذي يمكن أن يؤسّس على رابطة معينة معلومة، مصونة بقانون نافذ الحكم، استلهاما من تعريفٍ سبق لدى الكواكبي للاستبداد بأنَّه: "هو الحكومة التي لا يوجد بينها وبين الأمَّة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون نافذ الحكم". كما أستلفت نظرهم إلى أنَّه لا يوثق بوعد من يتولى السُّلطة أياً كان، ولا بعهده ويمينه على مراعاة الدين، والتقوى، والحق، والشرف، والعدالة، ومقتضيات المصلحة العامة، وأمثال ذلك من القضايا الكلية المبهمة التي تدور على لسان كلِّ برٍّ وفاجر. وما هي في الحقيقة إلا كلامٌ مبهم فارغ؛ لأنَّ المجرم لا يعدم تأويلاً؛ ولأنَّ من طبيعة القوة الاعتساف؛ ولأنَّ القوة لا تُقابل إلا بالقوة. 

المسألة التي تتعلق بالتعامل مع السلطة لا يمكن أن نتحدّث فيه بكلام عام ومتطلبات غائمة. ولكن من المهم أن نحدّد المواصفات الكلية للحكم الرشيد، والعمل على تأسيسها، بل وانتزاعها، لأن ذلك هو ما يتعلق بحقيقة التعامل مع السلطة، فلا تترك السلطة لذاتها تلتزم بوازعها الذاتي. ولكن لابد من أصول وقواعد خارجية تمثل ضماناتٍ أساسيةً ومنظومةً من المتطلبات والكوابح التي يجب أن تقام في سياق مبدأ يقوم على قاعدة أن "السلطة تحد من السلطة"، وأن "القوة لا توازنها إلا قوة". ومن ثم كان ذلك الإشكال المهم الذي توقف عنده الكواكبي، ليؤسس علما لدراسة الاستبداد وصفا وتشريحا، والتأكيد على المخارج من هذا الاستبداد بتأسيس كل ما يتعلق من مداخل للحكم الرشيد ضمن قواعد أساسية، تضافر عليها العقل والتجريب، فصارت تشكل بذلك مقرّرات اجتماعية، وحقائق تتعلق بالحياة السياسية، تضبط الاختلاف وتحرّك السياسة ضمن مصالح أساسية، وضمن التدقيق في مسائل ومباحث تتعلق بأصول الحياة السياسية وديناميتها. ".. ذلك أن تقرير شكل الحكومة هو أعظم وأقدم مشكلة في البشر، وهو المعترك الأكبر لأفكار الباحثين، والميدان الذي قلَّ في البشر من لا يجول فيه..، حتى جاء الزمن الأخير فجال فيه إنسان الغرب، فقرّر بعض قواعد أساسية في هذا الباب، تضافر عليها العقل والتجريب، .. فصارت تُعَدُّ من المقرّرات الاجتماعية عند الأمم المترقية، ولا يعارض ذلك كون الأمم لم تزل أيضاً منقسمةً إلى أحزاب سياسية يختلفون شيعاً؛ لأنَّ اختلافهم (هو بمثابة الميدان والمعمل) لوجوه تطبيق تلك القواعد وفروعها على أحوالهم الخصوصية. وهذه القواعد التي قد صارت قضايا بديهية في الغرب لم تزل مجهولة أو غريبة، أو منفوراً منها في الشرق؛ لأنَّها عند الأكثرين منهم لم تطرق سمعهم، وعند البعض لم تنل التفاتهم وتدقيقهم، وعند آخرين لم تحز قبولاً؛ لأنَّهم ذوو غرض، أو مسروقة قلوبهم، أو في قلوبهم مرض".

لا يوثق بوعد من يتولى السُّلطة أياً كان، ولا بعهده ويمينه على مراعاة الدين، والتقوى، والحق، والشرف، والعدالة

ومن ثم نجده يعدّد شبكة من المفاهيم تؤسّس لمكونات الحكم الراشد من مباحث ومفاهيم يجب فهمها على المقتضى الواجب الذي يناهض الاستبداد، وكل مداخل الاستعباد، ويؤسس لحال الحكم المتسم بالرشاد. لا يزال الكواكبي يقترح علينا البحث في هذه الأبواب وتلك المباحث الدقيقة العريقة في تحديد مفاهيم حقيقية للأمة والشعب والحكومة، والحقوق العمومية والقيم الحاكمة لتلك الحقوق من التساوي والشيوع والحقوق التأسيسية، ونوعية الحكومة وشرائطها، وأهم وظائفها والحقوق المتعلقة بشكل الحكم وسياساته والتصرّف في المال العام، وتشكل مفهوم مستجد للطاعة يعبر عن إرادة الأمة، كذلك الشأن المتعلق بتوزيع التكليفات المتعلقة بالمالية العامة والطرائق المتعلقة بإنفاقها، والمسألة التي تتعلق بإعداد المنعة، وإعداد القوة والمجال الذي تستخدم فيه، بحيث تكون القوة منفذة لرغبة الأمة، لا رغبة الحكومة وأهوائها، ومن ثم وجب في ذلك كله تشييد سياج من المراقبة والمتابعة والمحاسبة والمساءلة، بما يؤكد على وظيفة الرقابة على السلطة، تكوينا وتسييرا وتدبيرا.

ومن ثم كان اقتراح الكواكبي أن تكون تلك القضايا للبحث والدرس والفحص والتدقيق، ".. رؤوس مسائل بعض المباحث التي تتعلَّق بها الحياة السياسية. وهي مبحث ما هي الأمَّة؛ أي الشَّعب: هل هي ركامُ مخلوقاتٍ نامية، أو جمعيةٍ، عبيدٌ لمالكٍ متغلِّب، وظيفتهم الطاعة والانقياد ولو كُرهاً؟ أم هي جمعٌ بينهم روابط دين أو جنس أو لغة، ووطن، وحقوق مشتركة، وجامعة سياسية اختيارية، لكلِّ فردٍ حقُّ إشهار رأيه فيها توفيقاً للقاعدة الإسلامية التي هي أسمى وأبلغ قاعدة سياسية، وهي: "كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيِّته". (وكذا) مبحث ما هي الحكومة؛ هل هي سلطة امتلاك فرد لجمع، يتصرَّف في رقابهم، ويتمتَّع بأعمالهم و يفعل بإرادته ما يشاء؟ أم هي وكالة تُقام بإرادة الأمَّة لأجل إدارة شؤونها المشتركة العمومية. ومبحث يتعلق بالحقوق العمومية؛ هل هي آحاد الملوك، ولكنها تُضاف للأمم مجازاً؟ أم بالعكس، هي حقوق جموع الأمم، وتُضاف للملوك مجازاً، ولهم عليها ولاية الأمانة والنّظارة، .. مما يحقُّ لكلِّ فردٍ من الأمَّة أن يتمتع به وأنْ يطمئن عليه؟ وما يتعلق بذلك من مباحث التساوي في الحقوق والحقوق الشخصية".

يجعل الكواكبي الفيصل في تشييد الحكم الرشيد نمط ذلك الحكم الذي يمكن أن يؤسّس على رابطة معينة معلومة، مصونة بقانون نافذ الحكم

"وكذلك مباحث نوعية الحكومة: الأصلح منها، وشرائط الكفاءة فيها، ووظائف الحكومة وحقوق الحاكمية، هل للحكومة أن تخصِّص بنفسها لنفسها ما تشاء من مراتب العظمة، ورواتب المال، وتحابي من تريد بما تشاء من حقوق الأمة وأموالها؟ أم يكون التَّصرّف في ذلك كلِّه إعطاءً وتحديداً ومنعاً منوطاً بالأمة؟ وتوزيع التكليفات. وطاعة الأمة للحكومة: هل الإرادة للأمَّة، وعلى الحكومة العمل؟ أم للإرادة للحكومة وعلى الأمَّة الطاعة؟ وهل للحكومة تكليف الأمَّة طاعةً عمياء بلا فهم ولا اقتناع؟ أم عليها الاعتناء بوسائل التفهيم والإذعان، لتتأتَّى الطاعة بإخلاص وأمانة؟ وكذا إعداد المَنَعة؛ هل يكون إعداد القوة بالتجنيد والتسليح استعداداً للدفاع مفوضاً لإرادة الحكومة.. استعمالاً على قهر الأمَّة؟ أم يلزم أن يكون ذلك برأي الأمَّة وتحت أمرها؛ بحيث تكون القوة منفِّذة رغبة الأمة لا رغبة الحكومة؟ والمراقبة على الحكومة: هل تكون الحكومة لا تُسأل عما تفعل؟ أم يكون للأمة حقُّ السيطرة عليها؛ لأنَّ الشأن شأنها، فلها أن تُنبت عنها وكلاء لهم حقُّ الاطِّلاع على كلِّ شيء، وتوجيه المسؤولية على أيٍّ كان، ويكون أهم وظائف النواب حفظ الحقوق الأساسية المقرّرة للأمة على الحكومة؟". هذه بعض الأمور التي تتعلق بشكل الحكومة وعناصر أساسية تتعلق بالحديث عن وظائفها وأهم سياساتها، ضمن مسيرة الرشد السياسي وتحقيق الصالح العام، وحفظ الحقوق الأساسية المقرّرة للأمة؛ على منظومة الحكم التي يجب أن تقوم على مراعاة تلك القواعد في الحياة السياسية والوظائف الكلية المنوطة بها.