التفاهة قديمة

التفاهة قديمة

23 يونيو 2022
+ الخط -

رغم مرور عقدين تقريباً على ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الإعلام الجديد، إلا أن كثيرين ما زالوا ينظرون إليها عنصراً طارئاً على تفاصيل حياتنا اليومية. ربما لأن دور هذه الوسائل والأدوات قد تضخّم وتعاظم بشكل سريع وغير مسبوق، ما يجعل كل محاولات تفسير ما حدث تبدو قاصرة، لأنها غير قادرة غالباً على اللحاق بسرعة هذا العالم الجديد.

ويعيد كثيرون أسباب انتشار التفاهة، وفقاً لتعريف كل واحد منهم على حدة، إلى الدور الكبير الذي أصبحت تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الإعلام الجديد في حياتنا، وفي ترتيب كثير من يومياتنا. والواقع يقول إن هذه الوسائل والأدوات لم تفعل سوى أن ساهمت في تسريع وتيرة ما كان موجوداً وإعلانه بشكل جمعي. التفاهة، إذاً، موجودة، وبغضّ النظر عن تعريفاتنا المختلفة لها، هناك على الأقل عامل مشترك أدنى بين تلك التعريفات، وهو ما نتناوله بالحديث وما نراه مشتركاً ومنتشراً بين كثيرين.

لا أحد إذاً يتباهى بتفاهته، حتى وإن بدا للآخرين ذلك، فهو يراها منجزاً كبيراً عليه أن يقدّمه إلى الآخرين ليميزه بينهم ، وليحصد من خلال انتشاره به الأموال بما يتناسب وحجم شهرته. هذا ما يفعله مشاهير تلك الوسائل والأدوات. ولذلك نراهم يصابون بالرعب الحقيقي، عندما تقلّ نسب مشاهدات ما يبثّونها من صور ومقاطع ويوميات، لأن ذلك يعني أن تأثيرهم أصبح أقل من السابق، وحجم انتشارهم أصغر، وبالتالي فإن قيمتهم السوقية في عالم الإعلان تقلّ، فلا أحد من أصحاب المنتجات الاستهلاكية التي يقتنيها الناس، لا لحاجتهم الفعلية لها، بل تأثراً بمشاهيرهم المفضّلين، يُقبل على الإعلان عند مشهور لم يعد مشهوراً بالشكل الكافي، فلا يجد هذا المشهور بدّاً من البحث عن تفاهاتٍ جديدةٍ يمكن أن يصنعها أو ينتجها أو يصوّرها ليعرضها أمام الناس، فتعود العجلة إلى الدوران، ويستمر الانحدار في الفكرة والتصوير، وحتى في ردود الفعل التي سرعان ما تتأقلم مع كل تفاهةٍ جديدة وتتلاشى دهشتها بها، بما يشبه التطبيع غير المباشر معها، فتبحث بدورها عن الجديد هنا أو هناك.

وفي كل النماذج التي انتشرت في الآونة الأخيرة على هذا الصعيد، صورة من صور دائرة التفاهة التي لا تكاد تكفّ عن الدوران حول نفسها، وبما يقضي عليها في النهاية. وقد حدث فعلاً لبعض النماذج ما يشبه هذا الانتحار غير المباشر، بسبب عدم قدرتها على الاستمرار في اللهاث حول نفسها، وإنتاج تفاهاتٍ جديدة تنافس بها نفسها وغيرها ممن حولها لتستمرّ. والنتيجة أنها تنزوي في ظلمةٍ لم تعتدها، ما يؤدّي بها الى نوع من الانتحار البطيء، لأنها غير قادرة على إعادة إنتاج نفسها بهيئة جديدة بعيدة عن تفاهاتٍ ملّها الجمهور، وذهب يبحث عن غيرها.

سنحتاج مزيداً من الوقت، في عالم أصبح الوقت ضحيته الأولى، لنفهم بالضبط كيف يمكننا الاستمرار في هذا الضغط اللحظوي الذي نعيشه تحت ظل وسائل التواصل الاجتماعي، من دون أن ننخرط فيه وفقاً لشروطه، ومن غير أن نفقد شخصياتنا الحقيقية بحثاً عن مشاهداتٍ وإعجاباتٍ تدرّ أموالاً تنفق بدورها في إنتاج مزيد من التفاهات.

لكن علينا أن نعي أن العالم الحقيقي ليس تافهاً إلى الحدّ الذي نراه في شاشاتنا الصغيرة، وأن ما نراه في تلك الشاشات ليس جديداً، ولكنه يأتينا بشكل سريع وعلني وواضح إلى حد الفضيحة التي يتباهى بها بطلها وضحيتها في آن واحد! وهذا فقط هو الجديد في الأمر.