التعبئة من أجل الحريات .. حالة "المبادرة المصرية"

07 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

أفرج أخيرا عن ثلاثة من العاملين في المبادرة المصرية للدفاع عن الحقوق الشخصية، بعد حجزهم أسبوعين على ذمة قضية، اتهموا فيها بنشر أخبار كاذبة، وهي التهم التي سجن بموجبها في مصر منذ عام 2017 مئات الصحافيين والأكاديميين والسياسيين، وباتت العنوان الأبرز لشلّ أي حراك. وتأتي الواقعة الجديدة في ظل سياقاتٍ ومتغيرات، أبرزها، دوليا، فوز الرئيس الأميركي، بايدن، وإقليميا، ملامح تفكّك التحالف الرباعي، غير ضغوط داخلية منها أزمة العملية السياسية، وإغلاق المجال العام، وتضييق على وسائل الإعلام، وتوسّع في استخدام أدوات الضبط بديلا للتفاوض. وتتجاور مع ذلك أزمة اقتصادية عميقة. وتمثل هذه العوامل مجتمعة تحديدات لاستمرار سياسات السلطة كما هي، وتجعلها مرتبكة، ما بين العنف أو إيجاد تفاهمات، واتخاذ سياسات تضمن استقرارها. وهذا ما يرشح مستقبلا فرض آليات حوار تستوعب فاعلين، بموازاة استخدام أدوات ضبط تشكل توجهات الأفراد وسلوكهم، بما فيها من ضبط رسمي، كالاتهامات والإحالة إلى التحقيق، وغير رسمي كالتجييش الإعلامي، والدعاية ضد من تراهم السلطة خصوما أو منافسين، غير الثرثرة في الفضاء الإلكتروني. ولا تغيب رسائل التحذير والتوبيخ والنصح عبر وسطاء، وهي أساليب لها فاعلية في مجتمعات العالم الثالث.
ما بين الاحتجاز وإطلاق السراح، أثيرت قضايا عدة للنقاش، منها إمكانات التعبئة للإفراج عن السجناء، وما إذا كانت تنتقص من وطنية القائمين عليها، وكذلك مدى قدرة المجتمع المدني على الدفاع عن السجناء عموما، غير اتهاماتٍ بأن هناك منظمات تدافع عن العاملين فيها وحسب، كما شغلت فنانة "هوليوود"، سكارليت جوهانسون، قطاعات من المتابعين، بعد أن وجهت رسالة تضامنٍ مع المحتجزين الثلاثة، وأشارت إلى منع مؤسس "المبادرة المصرية.."، حسام بهجت من السفر. وقد تجاوز الاهتمام بسكارليت الفضاء الإلكتروني، بعد أن تلا بث كلمتها الإفراج عن السجناء. ويعيد هذا التأثير، محليا ودوليا، التذكير بدور عامل الثقافة فاعلا مؤثرا على المستوى السياسى، ودور نخب فنية (سلبا وإيجابا) بما يملكونه من نفوذ وتأثير، وكيف يمكن، بكلماتهم، توسيع دوائر الاهتمام بموضوع محلي إلى دائرة أوسع على مستوى دولي. استند الاهتمام مصريا بفنانة "هوليوود" لأسباب متنوعة، بل أثار غضب طيفٍ ضم إسلاميين ويساريين، بجانب مؤيدي النظام. وبعيدا عن سكارليت، تظل حملة التضامن مع العاملين بالمبادرة لافتة، وربما هي الأهم منذ فترة طويلة، كما ساهمت في كسر حالة اليأس لدى بعضهم من جدوى تكرار المطالبات بالإفراج عن سجناء الرأي، وربما تؤثر في قناعات اّخرين اعتبروا أن حصول السجناء على حريتهم مرهون وحسب بمنحةٍ من السلطة.

ما بين الاحتجاز وإطلاق السراح، أثيرت قضايا عدة للنقاش، منها إمكانات التعبئة للإفراج عن السجناء، وما إذا كانت تنتقص من وطنية القائمين عليها

يمكن تحليل الحملة من منظور الأنثروبولوجيا السياسية على أرضية فهم توزيع السلطة، والنفوذ الكامن ودراسة الظواهر، من حيث ارتباطها بمظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية والنفسية والاقتصادية، توصف حملات التعبئة عموما بأنها شكل من إيجاد التزامات جديدة وإعادة تنشيط ولاءات وتماهيات منسية، حسب تعبير فرانسوا شازيل. وقد حاولت جهود حملة المبادرة إعادة توزيع عوامل القوة وتوظيفها، مستخدمة البعدين، المحلي والدولي. صحيح أن الثاني كان الأبرز، واستهدف كسب التأييد والمناصرة، لكن ذلك ارتبط بعدة أسباب، منها ضعف إمكانات التأثير على مستوى محلي، لا تتسع فيه شروط الفعل السياسي، كوجود قنوات اتصال فعالة، ومساحة من حرية التعبير والحركة، ويرجع ذلك أيضا إلى عوامل، أبرزها عجز قوى التعبئة عن إحداث تعبئة محلية، في ظل سلطوية تحاصر المجال العام، وتمنع التظاهر، وتحدّ من حرية التعبير عموما. ومن هنا، تركز مجال الحملة دوليا، واستخدمت أنشطة التواصل والنشر في الفضاء الإلكتروني، بجانب الاستعانة بجهود نخب ووسطاء تشكّل أدوارهم مسألة مهمة في التفاوض وفهم تفاعلات العملية السياسية، عدا عن جهود قانونية لفريق دفاع قانوني.
ومن بين أسباب بروز البعد الدولي في الحملة أن وقائع الاحتجاز وتوجيه الاتهامات جاء بعد اجتماع عقد في المبادرة، وناقش حالة حقوق الإنسان، بحضور دبلوماسيين غربيين. وشكل ذلك مسؤولية أخلاقية على من حضر الاجتماع، لإظهار تضامنهم، بل طالبت منظمة العفو الدولية، في بيان لها، بذلك "على أعضاء المجتمع الدولي، وخصوصا الدول التي شارك ممثلوها في تلك الزيارة، أن يظهروا أنهم لن يقبلوا هذا الانتقام". وفعليا، صدرت بيانات تضامن متعدّدة، كان من ضمنها من حضر الاجتماع، بجانب عدد ضخم من المسؤولين الأمميين ونخب فكرية وممثلين عالميين.

شغلت فنانة "هوليوود"، سكارليت جوهانسون، قطاعات من المتابعين، بعد أن وجهت رسالة تضامنٍ مع المحتجزين الثلاثة

أما أدوات الحملة فتمثلت في خطابٍ واضح ومتّزن، حرص أن يظهر استناده إلى مواد الدستور والقانون المصريين، بما فيها الحق في الدفاع والتحقيق العادل، وتفنيد الاتهامات. واستطاع القائمون على الحملة ترويج خطابهم دوليا، وساهمت قدرات تنظيمية، وخبرات متراكمة، في إحراز انتشار وتقدّم في مسار الحملة، حيث وصلت إلى المستهدفين، ودفعت وزارة الخارجية المصرية إلى الرد على خطابها وردود أفعال المتعاطفين معها. وتجاوز صدى الحملة حملاتٍ مماثلة، منها فاعليات التضامن مع الباحث باترك جورج، أحد العاملين في المبادرة، والذي تم احتجازه في فبراير/ شباط الماضي بالاتهامات نفسها تقريبا.
ولم يكن بالإمكان حصار أدوات التعبئة في عصر التدفق المعلوماتي حين انطلقت. قديما كانت وسائل التعبئة، بداية من المطبعة وحتى التلفزيون، محل رقابة وحصار. وغالبا ما كانت النظم تلجأ إلى تأميمها. أما سلطة الاتصال الآن فقد تجاوزت كثيرا من القيود وموانع النفاذ والتوسع، بما فيها المجال الجغرافي للدول، وإن كان ذلك يمثل هاجسا لدى الدولة القومية، والنظم السلطوية، كما يحمل احتمالات مخاطر الهيمنة، إلا أنه، في السياق نفسه، يمكن أن تكون تلك الوسائل أداة لإعادة تشكيل علاقات القوى وإيجاد توازنات وانتزاع حقوق.

وقائع الاحتجاز وتوجيه الاتهامات بعد اجتماع عقد في المبادرة، وناقش حالة حقوق الإنسان، بحضور دبلوماسيين غربيين

لا ترتبط فكرة التضامن الدولي والأممي على عصر الشبكات، وتطور وسائل الاتصال، فقد سبق أن شهد العالم، والحركات الحقوقية والسياسية والنقابية، أشكالا وحركات تضامنية ذات موضوعات وأهداف متنوعة، منها حركات مناهضة الحروب، والحركات النسوية والبيئية والحركات الاجتماعية. وشهدت مصر حالات تضامن مع أشخاص وقادة ونخب في فترات تاريخية سابقة. وهذا لا يعني أن القياس متطابق من حيث الموضوعات، وسرعة الاتصال ومدى الاستجابة، ولكن التذكير بحالاتٍ سابقةٍ ضروري في ظل اتهامات تخوين، وإخافة لكل من يرفع صوته دفاعا عن سجناء الرأي، كما أن مستجدّاتٍ جعلت الكلمة المكتوبة والمصوّرة والأحداث قابلة لتجاوز جغرافية الدولة القومية، فسكان العالم يتشاركون الأحداث ويعلقون عليها. ومع ثورات الربيع العربي، كان العالم يتابع، وفوجئت نخب وساسة بشعوب ناهضة ساعية إلى الحرية، وتضامن بعضهم مع الحراك. وخلال سنوات عشر مضت، تناقش مصريون، وتضامنوا ورفضوا، وانقسموا بشأن أحداثٍ في عدة دول، شملت قضايا سياسية واجتماعية وثقافية.

ساهم في ترويج الحملة وضوح هدفها، وقدرتها على تقديم معرفةٍ منظمة ومتسلسلة للأحداث

وقبل عصر الاتصالات فائق السرعة والمجتمع الشبكي، عرفت مصر حالات تضامنٍ دوليةٍ ضد مظاهر عسف وظلم، طاولت سجناء أو أشخاصا أبعدوا عن البلد. يمكن التذكير بواقعة الإفراج عن بعض السجناء، بعد قتل شهدي عطية في 1960، إثر تعذيبه في سجون عهد جمال عبد الناصر، وكانت الأخبار المتداولة عالميا مع مواقف تضامنية دافعا إلى إعادة التفكير، وتخفيف حدّة القمع، بل سعت السلطة إلى استيعاب بعض النخب بديلا عن المواجهة، وغيرها من وقائع مماثلة سبقت يوليو 1952. وليست بالضرورة أن تكون المقارنة هنا متطابقةً، بقدر طرح فكرة التضامن مع سجناء رأي ليس أمرا جديدا. ومع عالمية حقوق الإنسان، وتشابك الأحداث وتدفق الأخبار وردود الأفعال، هناك مئات الحالات التي يتضامن فيها أفراد وكتل ومؤسسات مع آخرين في مجتمعات أخرى، على أرضية رفض العنف والظلم. وانطلاقا من قيم إنسانية مشتركة، وإن كان مالينوفسكي طرح قديما أن أحد أهم أدوار السلطة توكيد النظام الاجتماعي وحفظه واستقراره، فإن نظما كثيرة، ونتاج تباعد بينها وبين شعوبها، تحتمي بقوى خارجية أحيانا أو تخشاها، وتسعى إلى إرضائها، وتستأجر شركات دعاية للدفاع عنها، بديلا عن أن تلتزم بقيم المواطنة وصون الحقوق والحريات.

اتخذت المبادرة واقعة احتجاز ثلاثة من العاملين فيها نموذجا للدعاية، فكانت فرصة لإعادة طرح العام من خلال الخاص

وفي ما يتعلق بالقطاعات القائمة بالتعبئة، وأفضلية أن تكون الحملات نخبويةً أو شعبية، فإن طرح السؤال خطأ من الأساس، فلا فصل تاما بين حملاتٍ نخبوية وأخرى شعبية. وحين يصعب تدشين الحملات الشعبية، ليس مطلوبا من المتضرّرين الصمت، بالإضافة إلى أن التعبئة الشعبية تبدأ بمجموعاتٍ محدودةٍ إلى أن تتسع قواها، وربما أهدافها أيضا، لتنتج تراكما أوسع، يحوّل ما هو نخبوي إلى شعبي. وحين يكون الناس العاديون قادرين على الانخراط في عمل جماعي، ربما يمكن إحداث تغيراتٍ كبرى. وغالبا ما تكون أهداف الحملات النخبوية محدودة، وإنْ لم ترتبط أهدافها الجزئية بأهداف عامة كبرى وجذرية، ستظل محدودة التأثير. وهذا لا يقلل من دور النخب، كما أن جهودهم ليست منقطعة الصلة بالمجتمع، حتى لو تصوّروا هم ذلك. والدولة بوصفها مؤسسة المؤسسات، والشكل الأبرز للحياة الاجتماعية، حسب تعبير مارسيل بريلو، تدرك أن لأي جهودٍ، ولو كانت محدودة، أثراً. وهنا ليس من الإنصاف اعتبار أي جهودٍ في استرداد حرية أشخاص محض انتهازية، أو منقطعة الصلة بالعملية السياسية، فتبادل الأثر قائمٌ بين العام والخاص، والنخبوي والشعبي، وبين البنيتين، الاجتماعية والسياسية. وكلما امتلكت مجموعات عوامل قوة ونفوذ، بما فيها من موارد وشبكة علاقات، كانت لها قدرة على التأثير، إذا توفرت بجانب ذلك ظروف موضوعية.
إجمالا، استطاعت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية استخدام أدوات التعبئة بشكل ناجح، من حيث توظيف مواردها، بما فيها من شبكة علاقات، وتوفير قنوات اتصال، وصياغة رسائل واضحة ومتزنة، واستثمار أدوات التعبئة ووسائلها على مستويين، محلي ودولي. وساهم في ترويج الحملة وضوح هدفها، وقدرتها على تقديم معرفةٍ منظمة ومتسلسلة للأحداث، على حد تعبير غاستون بوتول. ومثل للمفارقة الخطاب وردود الفعل المتشنجة ضد المبادرة فرصةً لبيان الفرق في الخطاب. وبدلا من أن يكون الهجوم على المبادرة والعمل الحقوقي خصما للحملة كان إضافة لها، وساهم في الدعاية لقضيتها ونشرها بدرجة أكبر. كما اتخذت المبادرة واقعة احتجاز ثلاثة من العاملين فيها نموذجا للدعاية، فكانت فرصة لإعادة طرح العام من خلال الخاص، ولفت الانتباه إلى ملف الحريات، وأوضاع حقوق الإنسان، أي أن الأزمة تحوّلت، بحكم عوامل دولية ومحلية، إلى فرصة، وتجاوزت هدف إخلاء سبيل ثلاثة سجناء إلى التذكير بوضع السجناء ككل.