التدليس الرخيص في قتل مدرس باريس

28 أكتوبر 2020
الصورة

في احتجاج ضد ماكرون أمام المعهد الثقافي الفرنسي في غزة (27/10/2020/الأناضول)

+ الخط -

يردّد سرب المتمكرنين العرب، طوال الوقت، أكذوبة كبيرة في وجوه الغاضبين من إهانات الرئيس الفرنسي الدين الإسلامي ونبيه الكريم.

يقول هؤلاء ردًا على حملات مقاطعة المنتجات الفرنسية حتى يعتذر ماكرون: قتلنا لهم المدرس وذبحناه في الشارع، ثم نريد أن نقاطعهم؟ الحقيقة أننا لم نقتل لهم أحدًا، كما لم يفرح مسلم عاقل بمقتل المدرس، أو يرى في ذلك بطولة، أو عملًا يخدم الإسلام ويرضي الله ورسوله الكريم، فالذي قتله شاب مراهق هو ابن لفرنسا وبنيتها التعليمية والثقافية والاجتماعية، أكثر مما ينتمي إلى مجتمعاتنا العربية والإسلامية. بحسب المعلومات المتوفرة عن المراهق الذي قتل المدرّس، فإن عائلته الشيشانية هاجرت به من روسيا إلى فرنسا طفلًا صغيرًا، وفيها نشأ وتعلم وتشكل وعيه وفقًا للمناهج الفرنسية في التعليم والإعلام والممارسة السياسية والاجتماعية.

حتى تطرفه وفهمه الخاطئ للدين الذي صوّر له أنه ما من وسيلةٍ للدفاع عن نبي الإسلام إلا قطع رأس المدرس الذي عرض الرسوم المسيئة، هذا كله نتاج البيئة الاجتماعية الفرنسية، تلك البيئة التي تحفل بكثير من مظاهر العنف القاتل، لأسباب تتعلق بالظلم الاجتماعي والفقر والتهميش والعنصرية أحيانًا.

لم يذهب القاتل إلى فرنسا مكلفًا بالمهمة، قادمًا من مجتمع عربي أو مسلم. ولم يقل أحدٌ من المرجعيات الإسلامية المعتبرة إن ما فعله هو الصواب، أو أنه مبرّر، وبالتالي فإن الإسلام لم يقتل المدرس الفرنسي، ولا يوجد في القرآن الكريم والسنة الصحيحة ما يحض على ارتكاب هذه الجريمة.

وحده، إيمانويل ماكرون، هو الذي قرّر قيد الجريمة ضد الإسلام والمسلمين.. وحده الذي يستثمر مثل هذه الحوادث في ترويج أفكاره الفاسدة وضلالاته وقناعاته الباطلة ضد الدين الإسلامي ورسوله العظيم، وحده الذي يبدو وكأنه ينتظر هذا النوع من الفواجع، وإنْ لم تأت يستعجل وقوعها لكي يواصل بث سموم الكراهية ضد الإسلام وأتباعه. 

وبالتالي، ليست على رأس المسلمين بطحة حتى تأتي أسرابٌ من النواعق، لكي تسفّه من فكرة مقاطعة المنتجات الفرنسية، والتي جاءت رد فعل سلميًا وحضاريًا على تبنّي الرئيس الفرنسي منهج الإساءة الرسمية للدين الإسلامي ونبيه وتابعيه، متخذًا من حرية التعبير شعارًا كاذبًا يمارس به حرية الإهانة والازدراء.

يقول فيلق المدلسين إن مقاطعة منتجات فرنسا ليست سوى لعبة سياسية أطلقها الرئيس التركي أردوغان، بينما الوقائع تقول إن الدعوة بدأت شعبية من عواصم عربية، قبل أن يتحدث عنها أردوغان بيوم واحد على الأقل، وكان ذلك رد فعل منطقيًا أمام إصرار الرئيس الفرنسي على الذهاب بعيدًا في الاستثمار الفج لواقعة مقتل المدرّس، على نحو بدا معه تحريضيًا تمامًا على المسلمين، إلى الحد الذى انحدر به إلى مستوى طاغيةٍ مختلٍّ عقليًا يرى في كل كلمة أو موقف مخالف له مؤامرة إخوانية، أو مخطط شرير تنفذه أقلية متطرفة.

ليس هذا فقط، بل إن ماكرون، مثل أي ديكتاتور عسكري تافه في بلاد الشرق المنكوبة بالطغيان، رفع شعار "أنا فرنسا وفرنسا أنا"، لتصبح كل ردة فعل ضد عنصريته وغبائه السياسي، مثل المقاطعة الشعبية للمنتجات الفرنسية، مؤامرة على فرنسا وعدوانًا على الشعب الفرنسي والقارة الأوروبية. والمؤسف أن البيان الصادر عن الخارجية الفرنسية، التي يفترض أنها أكثر هدوءًا وكياسًة، جاء محمّلًا بلغة ماكرونية خرقاء، تتبنّى الخطاب الرديء نفسه.

الشاهد أننا نعلن غضبنا ضد ماكرون، وأعضاء نظامه السياسي الذين تحرّكهم الكراهية والعنصرية مثله، ونلجأ إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية، سلاحًا سلميًا بمواجهته هو شخصيًا، وليس عداءً لفرنسا أو الشعب الفرنسي .

ما لا يريد أن يفهمه ماكرون، والزواحف الثقافية التي تعيش في مجتمعاتنا وتتغذّى على بقايا الجبنة الفرنسية، أننا لا نقاطع منتجات فرنسا رغبةً في إيذاء الشعب الفرنسي، وإنما نفعل ذلك: لتعليم رئيسهم الصغير، قيمة وعقلًا وسنًا، الأدب، أولًا.. ولكي نردّ أذاه عن نبينا، أشرف الخلق وأعظمهم خلقًا وأكثرهم رحمة، ثانيًا.. ولنكبح عنصريته وكراهيته ضد نحو ملياري إنسان يشيع ضدهم روحًا عدائية، ثالثًا.

نحن نعاقب إيمانويل، الطاغية الشرق أوسطي البائس، ولا نكره الشعب الفرنسي، ولا نعادي فرنسا، ولا نريد لها الخراب والفقر، بل نتمنّى لها الخير وأن تحمي نفسها من التسمم الاجتماعي  على يد الفتى الطائش الذي يجلس حيث جلس ديغول وميتران وشيراك .. يا للهول.