الانتخابات جرت في القدس

الانتخابات جرت في القدس

15 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

قبل أقل من أسبوعين، اتخذت رئاسة السلطة الفلسطينية من رفض إسرائيل إجراء الانتخابات في القدس ذريعة لتأجيلها. حاول الرئيس محمود عباس، في خطابه، تصوير الخطوة كأنها رفض شجاع للاحتلال، وهو منطقٌ عجيب، إذ إنها تتجاهل تاريخاً طويلاً بشأن مسألة الانتخابات في القدس تحديدا.

لطالما رفضت إسرائيل ذلك منذ أول انتخابات عام 1996 ثم عام 2005، حيث تصمّم على وضع القدس عاصمة موحدة وأبدية لها، وتميز بينها وبين ضواحيها التي تعتبرها تابعة للضفة. ومن هنا، جاءت أوهام منح أبو ديس للفلسطينيين ليطلقوا عليها القدس ويعتبروها عاصمتهم في إطار أوهام "صفقة القرن".

تم وقتها انتزاع الحلول انتزاعاً، بتضافر العمل على الأرض مع الضغوط الدولية اللاحقة، كتسجيل الناخبين من بيت إلى بيت، بعدما أغلقت إسرائيل مقرّات لجنة الانتخابات، حتى الوصول إلى صيغة تصويت عدد محدود في مكاتب البريد داخل القدس، والباقين في ضواحي القدس الواقعة خارج البلدية.

ومن اللافت أن انتخابات 1996سبقت ببضعة أشهر فقط "هبّة النفق"، والتي شهدت تحرّكات عملية من السلطة تحت قيادة ياسر عرفات مع المقدسيين، حتى أنها شهدت إحدى أولى حالات الاشتباكات المسلحة بين قوات أمن السلطة الفلسطينية والقوات الإسرائيلية بعد "أوسلو".

اتفقنا أو اختلفنا مع نهج عرفات، إلا أنه كان يقدّم نموذجاً جاداً لامتلاك استراتيجية واضحة لأساليب نضالية منظّمة، وكان يعوض فشل تجربته العسكرية في التحرير بعد الهزيمة في الأردن ولبنان بمحاولة تقديم أدوات نضالية سياسية أخرى. اليوم في عام 2021، أصبحت الخيارات أوسع. وأي نضال سياسي سلمي يدعو إليه عباس يمكن أن يحمل أثرا أشد وقعا من نضالٍ لأجل التصويت في الانتخابات؟

كان يمكن أن يتم تسجيل الناخبين إلكترونيا، ويتم التصويت في المنازل ودور العبادة والمدارس وغيرها، فليشاهد العالم الفلسطينيين يحمون صناديق الاقتراع بأجسادهم، بينما جنود جيش الاحتلال يطاردون حاملي بطاقات التصويت كأنها أسلحة، ويصادرون صناديق الأوراق الانتخابية كأنها قنابل خطيرة.

في الواقع، لا يعدو سبب تأجيل الانتخابات الفلسطينية رفض أبو مازن أي احتمال لتداول السلطة، سواء على مستوى شخصه أو التيار التابع له الذي يهيمن على حركة فتح، بعدما بات واضحاً تبلور تيارات أخرى معارضة له من الحركة نفسها.

سرعان ما تسارعت الأحداث، وخرجت هبّة أهالي حي الشيخ جرّاح والمقدسيين. شهدنا بطولاتٍ هائلة لحراك منظّم، قام عليه شباب وُلدوا بعد "أوسلو"، ولم ينتموا لأي من المنظمات الفلسطينية التاريخية. وبقدر ما يختلف الفلسطينيون والعرب حول توجهاتهم السياسية والأيديولوجية، وكذلك حول استراتيجية التعامل مع إسرائيل، حيث الأسئلة المعقدة عن جدوى أو أخلاقية مختلف أساليب المقاومة، واستراتيجيتها، وانتهاءً بالهدف منها، هل هو حل الدولتين أم الدولة الواحدة.. إلخ، إلا أن الجميع اتفق بشكل تام على دعم المقدسيين.

جاء الرد من غزة ومن الضفة ومن الخارج. لقد تم التصويت لصالحهم بالإجماع. وهم أيضاً صوّتوا عملياً بدورهم ضد الخيال القديم. صوّتوا ضد تكلس سلطة أبو مازن، وضد شلل منظمة التحرير الذي استبعد عمليا طاقاتٍ واسعةً للشباب الفلسطيني في الداخل والخارج في الحراك لقضيته، باعتبارها قضية "أبارتهايد" بلغة العصر.

كما صوّتوا عملياً ضد "الأسرلة"، حيث قلبت هبّة فلسطينيي الداخل، انتصارا للقدس، موازين الحسابات الإسرائيلية، وبينما كانت تعبر الخط الأخضر، كانت الحافلات تكسر حواجز نفسية وسياسية حاول الاحتلال صنعها عقودا.

قد يبدو الحديث عن الانتخابات في القدس بعيداً عن سياق القتال في غزة والاشتباكات داخل الخط الأخضر. ولكن، أيا كانت النتائج العسكرية، فإن ترجمتها إلى مكاسب أو خطوات سياسية لا يقل أهمية، وهنا حقاً تصبح أوراق التصويت أسلحة. ما خطّته أجساد الشبان الفلسطينيين وخطواتهم يُلزم قادتهم بتغيير نهجهم، أو اجبارهم على ذلك.

وبدون انتخاب قيادة موحدة، تشمل منظمة التحرير والمجلس الوطني، فإن الاستثمار السياسي للحدث الضخم، وترجمته إلى استراتيجية وطنية متفق عليها سيظل قاصرا... ومن انتزعوا الشوارع من القوات الإسرائيلية سينتزعون صناديق الاقتراع أيضا.