الأردن واستئناف التحديث السياسي

الأردن واستئناف التحديث السياسي

09 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

شكّل ملك الأردن، عبد الله الثاني، في 10 يونيو/ حزيران الماضي، لجنة برئاسة العين، سمير الرفاعي، لتحديث المنظومة السياسية في محاور ستة: قانونا الانتخاب والأحزاب، وتوصيات تخصّ تمكين المرأة والشباب، وتعديلات دستورية تتصل بما يتعلق بهذه المحاور الخمسة. ورافقت قرار تشكيل اللجنة رسالة ملكية تحثّ على إنجاز خريطة طريق واضحة للمئوية الثانية من عمر الدولة، وسَبَقت الرسالة زيارة الولايات المتحدة التي عدّت ناجحة ومهمة بالنسبة للأردن بعد سنواتٍ عجاف مع إدارة ترامب.
وجاء تشكيل اللجنة بعد وقت قريب على انتخابات مجلس النواب التاسع عشر، في إشارة ملكية إلى أن قانون الانتخاب الحالي لم يُمكّن الدولة من إنجاز ما يجب أن تكون عليه عملية التمثيل السياسي التي جاءت في المجلس التاسع عشر بمائة نائب جديد، لم يقدّموا، بعد دورة غير عادية وبداية دورة استثنائية، ما يثبت الارتقاء بالعمل البرلماني وتحسين ثقة الجمهور بمجلس النواب الذي يحظى بدرجة شعبية متدنية من الثقة.
وجاء تشكيل اللجنة أيضا بعد جدل على قانون الانتخاب الحالي، وعلى آلية إدارة الشأن الانتخابي وعزوف ناخبين كثيرين عن التوجه إلى التصويت، وأخطاء شابت انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، وارتباك في المشهد أدّى إلى انتقاد مباشر من الملك عبدالله ومنظمات رقابية، منها المركز الوطني لحقوق الإنسان ومنظمات أجنبية، مخرجات العملية الانتخابية، والتي حاولت الهيئة المستقلة للانتخاب أن تجريها في ظل ظروف وبائية حرجة ومزاج شعبي بات سلبياً تجاه مسألة المشاركة السياسية في ظل تراجع عمل مجالس النواب السابقة، وأدوارها الرقابية. وأحاط بتشكل اللجنة الظروف المحلية الأردنية، ومنها إنهاء "قضية الفتنة"، والتحرّك الأردني بشكلٍ أفضل في الإقليم والسياسة الخارجية، بعد زوال الضغط الأميركي الترامبي عليه، وخسارة نتنياهو وخروجه من المشهد، وثبات الأردن بقيادته في مسألة صفقة القرن، ورفض أي تسوية بأي ثمن، وقبل ذلك استعادة منطقتي الغمر والباقورة من إسرائيل.

الحاجة ماسّة، اليوم وفي المستقبل، لتطوير عملية المشاركة السياسية وفق أحزاب برامجية تشكل، في النهاية، صورة أفضل لأداء مجلس النواب والأحزاب السياسية

كلّ هذه الظروف جعلت العاهل الأردني يدير عجلة التحديث السياسي من جديد، بعد عقد من التجاذبات ومحاولات الإصلاح الذي ظل وئيداً، على الرغم من مشاركة الملك الشخصية في النقاش السياسي، عبر أوراقه النقاشية التي كانت وليدة ظروف بعضها انتهى، وأخرى ما زالت لها راهنيتها. وقد التزم الأردن، عبر العقدين الأخيرين ومنذ تولي الملك عبدالله الثاني، سلطاته الدستورية بالتحديث السياسي في صور عدّة، ومنها الالتزام بإجراء الانتخابات، وتشجيع الأحزاب بأكثر من قانون ودعمها مالياً، وإطلاق مبادرات ووثائق سياسية عديدة، منها الأجندة الوطنية ووثيقة "كلنا الأردن" و"الأردن أولاً" ولجنة الحوار الوطني عام 2010، وغيرها من المحاولات، بيد أنَّ التحديات التي مرّ بها الأردن كانت أيضاً كبيرة، ومنها: حرب العراق 2003 ونتائجها، والحرب على الإرهاب، والربيع العربي وتداعياته، وزيادة عدد السكان من نحو خمسة ملايين إلى أكثر من عشرة ملايين من المواطنين والمقيمين على الأرض الأردنية، هذا عدا عن فقدان الأردن شريكه الاقتصادي الكبير (عراق صدّام حسين)، وتعاظم الدين العام وارتفاع الفقر والبطالة بشكل كبير. وكلّ ذلك التعقيد حاضر في مدارك أعضاء اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، ولهذا يبدو أنّ الحاجة ماسّة، اليوم وفي المستقبل، لتطوير عملية المشاركة السياسية وفق أحزاب برامجية تشكل، في النهاية، صورة أفضل لأداء مجلس النواب والأحزاب السياسية وإخراج البلد من أزماته الراهنة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وإدارياً، وهو ما أشار إليه الملك عبدالله في أكثر من مناسبة.

في مواجهة النقد الشعبي ونقد النخب، لم تختبئ اللجنة وراء الملك، ولم تنجرّ إلى معارك مع حالة النقد العام، المتاح في الأردن، بل مضت تعمل بكثافة وجدّية عالية

صحيحٌ أن اللجنة لقيت نقداً في بداية تشكيلها، وفي الموقف من تسريبات الأفكار المطروحة للنقاش قبيل إقرارها وفي سير بعض أعضائها، لكن ذلك كله بات جزءًا من المشهدية السياسية التي ترافق أي قرار في الأردن، والمأمول أن تكون إنجازات اللجنة في اجتماعاتها، وعبر حوارات الخارجية مع ممثلي المجتمع وناشطيه، وعديد الأوراق المرجعية والنقاشية التي قدّمت للجان بصيغ مختلفة، قادرة على أن تطرح خريطة طريقٍ مرنة وواضحة، مع مراعاة التحدّيات المستقبلية، لتكون بمثابة أفكار للخروج بواقع المشهد السياسي الأردني من حالة الإصلاح الجامد إلى الفاعلية السياسية المثلى في مجتمع يوصف بأنه فتيّ ومتعلم ومحاط بحرائق الإقليم.
في مواجهة النقد الشعبي ونقد النخب، لم تختبئ اللجنة وراء الملك، ولم تنجرّ إلى معارك مع حالة النقد العام، المتاح في الأردن، بل مضت تعمل بكثافة وجدّية عالية، مستفيدة من تعدّديتها العالية وتنوع المشارب الفكرية فيها، وهو ما وفر لها مناعة مقبولة من أجل الاستمرار، على الرغم من التشكيك بجدّية التحديث المطلوب منها، خصوصا حين يكون المقصد النهائي جعل الناس يصوّتون على أسس حزبية برامجية وتطوير شكل التمثيل السياسي وممارسة السلطة التنفيذية. وهو ما عناه الملك عبدالله في رسالته إلى رئيس اللجنة بقوله: "إننا عازمون على إحداث نقلة نوعية في الحياة السياسية والبرلمانية، على نحوٍ يضمن الأهداف والطموحات المرجوّة في المستقبل، والأمل معقود عليكم للخروج بإطار تشريعي يؤسس لحياة حزبية فاعلة قادرة على إقناع الناخبين بطروحاتها، للوصول إلى برلمان قائم على الكتل والتيارات البرامجية، والتأسيس لمرحلة متقدمة في أسلوب ممارسة السلطة التنفيذية لمسؤولياتها استنادا لقواعد وأحكام الدستور الأردني العتيد...".