الأردن .. الإرث العربي ومأزق الليبرالية

الأردن .. الإرث العربي ومأزق الليبرالية

23 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

مائة عام تكاد تنقضي على تأسيس أول حكومة أردنية في إبريل/ نيسان 1921، وكانت من قادة الحركة العربية وأعضاء حزب الاستقلال العربي السوري، الذين غادر معظمهم البلاد الأردنية بحلول العام 1925 بضغوط بريطانية، لكنّ ذلك لم يقطع الخيط العربي عن الدولة التي ظلّت متسمكةً برسالتها العربية وإرثها الممتد لمشروع النهضة العربية. فاعتمد الأمير/ الملك المؤسس عبدالله الأول حتى الاستقلال الأردني على نخبةٍ عربيةٍ متنوعةٍ لبناء دولته الناشئة، وكانت تلك النخبة عماد الحكومات ومؤسسات الأمن والجيش العربي وقادة السفارات ورجال الإدارة، والتي ظلت، حتى منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، ومنهم كرؤساء حكومات: توفيق أبو الهدى، وعلي رضى الركابي، وعبدالله سراج، وإبراهيم هاشم، ومظهر أرسلان، ومن العسكريين والسياسيين والمتعلمين، عمر زكي الأفيوني، وبهجت طبارة، وفؤاد سليم، وعارف العارف، وعلي نصوح الطاهر، وحليم أبو رحمة، وجميل التوتنجي، وشوكت الساطي، وحيدر شكري، وسمير الرفاعي، وغيرهم. أمّا الاقتصاد الوطني فقد نهضت به نخبة ذات أصول شامية، مثل عائلات الحمصي، وأبو قورة، والعمادي، وبدير، والسرور، والبكري، والحلواني، والخضري، وهناك إسهامات فلسطينية، تطورت لاحقا بعد النكبة الفلسطينية والنزوح لشرقي الأردن، وشاركت أيضا بعض العائلات الأردنية، وبخاصة المسيحية والفلسطينية، في الاقتصاد، مثل: منكو، وشومان، والسلفيتي، والصايغ، ودروزه، ومراد، والنبر، والمعشر، وقعوار، وأبو جابر، بشكل لافت في بناء البازار الأردني، وتشكل البرجوازية الوطنية وهي ما زالت.
طوّع الملك المؤسس كل التناقضات لتشييد عماد مملكة، وقَبلَ بحركة الإخوان المسلمين عام 1946 لتؤسس فرعاً لها في الأردن، ولاحقاً نشأت الأحزاب ذات الطابعين، القومي واليساري. هذا عدا عن الأحزاب الوطنية التي امتدّت حضوراً منذ المؤتمر الوطني الأول عام 1928، وتشكلت بصيغ محلية وأفكار عربية ترفض الانتداب، وتدافع عن الحق الفلسطيني.

كانت الأيديولوجيا العربية ترى الأردن جزءاً من المؤامرة، ولكن الأردن كان أكثر الرابحين في صلاته التاريخية ونسيجه الاجتماعي الفريد مع الفلسطنيين

وقد أسهم الكل من أبناء الحركة العربية في بناء الأردن المعاصر، وساهموا بجدارة، ووجد كل لاجئ أو مُبعد في الأردن بلده الثاني. ومع ذلك، للأسف ظلّ الأردن متهماً من خصومه العرب بأنه كيان وظيفي وعميل للغرب، وصنفه التقدميون العرب بلدا رجعيا، لكن ذلك التوصيف لم ينل منه، وانضم الأردن إلى مشاريع الوحدة العربية، وأنجز وحدته مع فلسطين عام 1950 التي رفضها معظم العرب، وكان الأردن عليه واجب الحفاظ عليها والتمسّك بها، وانتخب برلمان من ممثلي الضفتين عام 1951، وظلت العلاقة حتى طلب الأشقاء الفلسطينيون من الملك الحسين فك الارتباط بالضفة الغربية عام 1988 حفاظاً على الكيانية الفلسطينية، وقبل الأردن. ومع ذلك، ظلّت الاتهامية تلاحق الأردن، ولكنه لم يتوقف عندها، ولمّا أقبلت عملية السلام كان الأردن وفلسطين ضمن وفد مشترك في مؤتمر مدريد عام 1991، هذا في وقت عانى به الفلسطينيون التهميش في كل البلاد العربية. ومع أن الأردن صرف الكثير من جهده السياسي، وأنفق مالا كثيرا على مشروع التنمية في الضفة الغربية في الستينيات، ومارس عملية تنموية كبيرة، إلا أنه كان الخاسر الكبير بالتخلي عن رئته الثانية، وكذلك خسر الفلسطينيون نصفهم الآخر.
كانت الأيديولوجيا العربية ترى الأردن جزءاً من المؤامرة، ولكن الأردن كان أكثر الرابحين في صلاته التاريخية ونسيجه الاجتماعي الفريد مع الفلسطنيين، فهو يملك قاعدة اجتماعية متنوعة متعلمة ومتقدّمة، ولم يتلوث الأردنيون بالدعوات القُطرية التي غزت دولاً أخرى، مثل مصر ولبنان، وتماسك الأردن من أجل الحفاظ على وحدته ونسيجه وعلاقته مع الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أحداث محطة أيلول عام 1970 التي عبرت عن عمق التوتر داخل حركة النضال الفلسطيني، وتأثرها بالعامل الإقليمي، والمسؤولية التي حملها الأردن إثر مشاركته في حرب النكسة في 1967، وظلت جرحاً عميقاً لا يُنكر.

لم يتخلص الأردن من عقدة الجغرافيا، فعدا عن الاحتلال غرباً، تحدّه دول شرقاً وجنوباً وشمالاً، تطمح بأن تراه تابعا لها

سرعان ما تماسك الأردن، لكن المحيط العربي لم يترك الأردن، وساعده في الاستثمار في معركة البناء في بلدٍ فقير بالموارد، لكن فيه قيادة عربية محترمة، وتعليم مرتفع النسبة، ونسيج متماسك لا يعاني من عقد الطائفية والإثنيات. وغزا الأردنيون الأسواق العربية في دول الخليج ونافسوا، فلسطينيين وأردنيين، بكرامة، مواطني دول عربية أكبر من الأردن وظلّ الأردني، سواء كان فلسطيني الأصل أو من أصول شرق أردنية، مضرب مثلٍ في الالتزام والمهنية والنفس العالية التي تعاف الانحدار إلى مقولات المغرضين بالوطن، فنافسوا غيرهم وأثبتوا جدارة، وكان المعارض والوطني يعودان إلى البلد من السفر معاً.
لم يتخلص الأردن من عقدة الجغرافيا، فعدا عن الاحتلال غرباً، هناك دول تحدّه شرقاً وجنوباً وشمالاً، تطمح بأن تراه تابعا لها، ولم يكن هذا متيّسرا وسهل الحدوث في ظلّ قيادة الملك الحسين التي جعلت للبلد مكانة مرموقة في المحافل الدولية، وتعزّزت مع الملك عبدالله الثاني. وجاء اهتمام الحكم بالتعليم رسالة واضحة في البناء. ولكن لا بد من الإقرار بأن الحياة السياسية كانت وئيدة التقدّم من حيث البنى الحزبية والدمقرطة التي اختار الأردن بديلا عنها في السبعينيات والثمانينيات طريق التنمية، في جوار أردني ظل دوماً مثقلا بالانقلابات والحروب. أي أنّ المناخ حوله لم يكن ديمقراطياً. ويمكن الإشارة إلى محطة العام 1956 الذي شهد تشكيل أول وآخر حكومة حزبية يسارية، برئاسة سليمان النابلسي، لم تطل البقاء، وحلّت في العام التالي، وهو أمر شكّل انتكاسة واضحة، ما يزال الأردن يدفع نتائجها، وآنذاك كانت علاقات النخب السياسية بمرجعياتها الخارجية السبب في إطاحة تلك الحكومة. ولكن الدولة والحكم ظلّا يتمسّكان بالصبغة المدنية، من حيث تطبيق القانون والإصرار على مظاهر المدنية، وخطط التنمية التي أوجدت اليوم مجتمعاً متعلماً، ومن أقل المجتمعات أمية، مع السماح بحركة مقبولة لمؤسسات المجتمع المدني. وفي الوقت نفسه، ظلّت المؤسسات الدينية راسخة، وثمّة حرص على الشعائر الدينية ورعايتها بعناية ودقة، وتسمح الدولة لدعاة الحياة المدنية والدولة المدنية بالتحرّك والنشاطات الخاصة بهم وإلقاء المحاضرات وإنشاء المنصات، وتدير الدولة هذا الملف بعناية وحذر.

 جماعة الإخوان المسلمين وقفت ندّاً كبيراً للنزعة المدنية، سواء في مصر، أو الأردن، وغيرهما، وكانت الغلبة لهم

هناك اليوم تحولات في هذا المشهد، لا تخفى حتى داخل بنية الطبقة المتدينة. وتحوّل بعض الدعاة إلى الخط المدني. ومع ذلك، ما زال حضور التيار المدني محفوفا بالاتهامية والتشكيك أحياناً. وربما كان أبرز خصومه الجماعات المتدينة التي لا ترى في دعوى المدنية إلا انفكاكاً عن الشريعة، وهذا سجالٌ دار في البلاد العربية مطلع القرن العشرين، وخصوصا في مصر، بعد إلغاء الخلافة الإسلامية في مارس/ آذار 1924. وتطور الأمر سلباً بعد إنشاء جماعة الإخوان المسلمين التي وقفت ندّاً كبيراً للنزعة المدنية، سواء في مصر أو الأردن وغيرهما، وكانت الغلبة لهم. وتحققت مناطق نفوذهم ضد المدنية وتيارها ورموزها، بأن مكّنتهم الحكومة في التعليم والنوادي والنقابات، وكانت التربية والتعليم والنقابات ميادين الصراع والضحية.
أما النزعة الوطنية، أو التيار الوطني الأردني، فلم يتح له تشكيل بنية خاصة سنوات طويلة في طرح برامجها الوطينة وإعادة تشكيل الأحزاب، حتى منذ الانفتاح الديمقراطي عام 1989. ولكن تحولات المجتمع والتمثيل السياسي، وانعطافات رجال الحركة الوطنية نحو الوظيفة التنفيذية السياسية، عبر التمثيل بالحكومات أو مجال الحكم والوظائف العليا، قلل من فرصة وجود حركة وطنية وتيار وطني عريض على غرار الأحزاب الوطنية في مصر وتونس والمغرب، وكان معنى ذلك حصر إنتاج النخبة عبر ماكينة الدولة.
كلّ هذا يجب أن يُقرأ في ظلال القضية الفلسطينية وأثرها العام على الأردن. وكانت النتيجة انحسار نفوذ "الزعيم الوطني" أو المثقف الاعتراضي، والاستمرار ببناء الأردن، وتوضيح مواقفه العروبية عبئا وسط بيئة عربية معتلّة بأمراض النفوذ والزعامة العربية الإقليمية، خصوصا في سورية ومصر والعراق. وهنا يمثل وصفي التل وهزاع المجالي وتوفيق أبو الهدى وعوني عبد الهادي نماذج شاخصة في انعطافتهم نحو الوطنية من العمل في الحركة العربية القومية أو الإسلامية (في نموذج هزّاع المجالي) إلى النزعة الوطنية العالية الحضور، ولكن معركة هذه النخب كانت الدفاع عن المؤسسات والحكم، وإنشاء جهاز إعمار محترم شاركت فيه النخبة الأردنية - الفلسطينية بشكل لافت، وهو مسارٌ قلّ تأثيره اليوم، بفعل الانفتاح الاقتصادي وسياسات الخصخصة والنهج الليبرالي. وأثبت الزمن السياسي أن خيارات النخب وقراراتها وإسهاماتها قبله كانت أفضل، فهي التي شيدت المؤسّسات في سنين عجاف. ومع ذلك، لم يكن حضور الليبراليين مضرّاً، بل أثبت حيوية الدولة واختبار الأفكار الليبرالية في بلدٍ ذي بنية تقليدية التكوين.

خسر الليبراليون في الأردن رهاناتهم، فالدولة اليوم تتكئ على نخبٍ وطنيةٍ، تقليدية ويسارية، بشكل لافت، في الإعلام والتنمية السياسية وإدارة الانتخابات

واليوم، يرى المصنّف أنه تيار وطني في نفسه الأكثر عرضة للاختبار والتهديد باستمرارية الحضور الفاعل، والمخاوف الحاضرة أيضا، من قوى موسميةٍ تظهر لأتباع التيارات الأخرى، أو بسبب لجوء الحكومات إلى صنع البديل الوظيفي من أبناء البلاد على حساب السياسي الوطني الذي يفتقده الأردنيون. أما الليبرالي الأردني فهو حصلية "طرح ثقافي"، عمل وظيفياً في الدولة في مناطق نفوذ مختلفة، وتلقى تعليما غربياً، وهو أيضاً يواجه خصومة الإسلاموي التقليدي والأيديولوجي الظافر بحماية الشريعة، ومعه الوطني المحافظ الذي لا يحمل برنامجاً سياسياً واضحاً، ولكنه (الليبرلي) يتحالف مع حركةٍ مدنيةٍ تجسّد نفوذهما بفعل علاقة الدولة بالاقتصاد في البنوك والمؤسسات الخاصة، والتشجيع على الخصخصة وتحرّر الدولة من القطاع العام والتشجيع على الاقتراض، ولهؤلاء نفوذ، لكنه غير حاسم، وأحياناً يكون بمثل الربيع سريع الأفول.
ستظل القيود الموروثة الخاصة بتشكل النخبة الأردنية، على الأرجح، حاضرة طوال العقدين المقبلين. وبعد ذلك، بالتأكيد لن نجد النفوذ موزّعاً بالطريقة الراهنة اليوم. والمقنع أن التفسير الثقافي الاجتماعي سيكشف لنا ضياع طبقة الملاك والنخب التقليدية لصالح نخبٍ جديدة، وسيطرح شكلاً جديداً للدولة في مئويتها الثانية. لكن في ذلك الوقت ستكون مناطق النفوذ هي الاقتصاد والثقافة، وليس السياسة. ولعلّ حركة المال السياسي اليوم، وقدرتها على انتزاع مقاعد في البرلمان، دليل واضح على ذلك المسعى الذي لن يطول.
خسر الليبراليون في الأردن رهاناتهم، فالدولة اليوم تتكئ على نخبٍ وطنيةٍ، تقليدية ويسارية بشكل لافت، في الإعلام والتنمية السياسية وإدارة الانتخابات. وفي تشكلية الأعيان وقسم من النواب، هناك ردة واضحة عن النهج الليبرالي الذي خصخص المؤسسات، وأفنى خزينة الدولة.