الأردن .. إصلاح يستفيق بعد قطع الأكسجين

الأردن .. إصلاح يستفيق بعد قطع الأكسجين

26 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

عقب لقاء جمع العاهل الأردني، عبدالله الثاني، يوم 23 مارس/ آذار الجاري، برئيس مجلس النواب ورؤساء لجان في المجلس، تمّ التأكيد على "المضي في مراجعة التشريعات الضرورية، وأبرزها قوانين الانتخاب والأحزاب والإدارة المحلية". لاحقاَ للقاء، دبّت الروح لدى النخب السياسية، وبتصريحات مختلفة عن ضرورة تعديل تلك القوانين، وهو أمر أكّده رئيس مجلس النواب، عبد المنعم العودات. وبدأ الحديث داخل "مطبخ القرار" عن حوار وطني عام يقود إلى توافق وطني على قوانين الإصلاح السياسي: الانتخاب والأحزاب والإدارة المحلية.

تزامن هذا الحديث مع صعود التفكير بضرورة التوافق على هذه القوانين، بصيغة مؤتمر وطني، أو ميثاق وطني على غرار تجربة "الميثاق الوطني" العام 1991، وهو ما يُفضي إليه ضمناً تصريح رئيس مجلس النواب بمقولة "الحوار الوطني". ويأتي ذلك كله في ظل وصف الإصلاح السياسي في الأردن بأنه وئيد بل شبه جامد، ويعاني من اختلالات، حتّى الانتخابات النيابية التي جرت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي طاولها نقد كثير، ولا يبدو أن الملك كان راضياً على مخرجاتها، من حيث حديثه المباشر عقب الانتخابات عن ضرورة تعديل قانون الانتخاب الحالي الذي أقرّعام 2016...

هل تعني استعادة الحديث عن الإصلاح السياسي في الأردن مجالاً جديداً للاستقطاب، والتأثير في شكل النسخة الجديدة لطريق المئوية الثانية من عمر الدولة، أم أنه استجابة لما يمكن أن يكون تكيفاً مع التحولات الخارجية، وفي مقدمتها مطالب الإدارة الأميركية الجديدة، وما يمكن أن يثار عن الانتخابات النيابية التي انتظمت أخيرا والأخطاء الفادحة فيها، والمواجهة التي بدأت تكشف عنها جماعة الإخوان المسلمين من تصعيد جديد، عبر العودة إلى ملامح التوتر والمطالب الإصلاحية. وتاريخيا ينشط "الإخوان" في الأردن بالمطالب الإصلاحية، تزامناً مع وصول الديمقراطيين في الولايات المتحدة إلى الرئاسة.

كلّ هذا التسريع في وتيرة حديث النخب والساسة الأردنيين، بوجوب تصحيح المسار المتعثر للإصلاح، جاء مع إثارة الجدل أردنياً بعد نشر حكومة بشر الخصاونة، أخيرا، نصّ اتفاقية الدفاع مع الولايات المتحدة، حيث يقول معارضو الاتفاقية إنها تمسّ السيادة الوطنية، ويحيل البلد إلى تدخل أميركي مباشر في الشؤون الأمنية، وهو ما نفاه وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، أمام مجلس النواب، وقال إن الاتفاقية جاءت إطارا منظما للتعاون العسكري الدفاعي ومحاربة الإرهاب، لكن هذا الجواب الحكومي لم يقطع الجدل بشأن الاتفاق الذي اعتبره معارضوه صدمة جديدة وضربة موجعة في مسار شعبية حكومة بشر الخصاونه.

حديث تجديد حزمة قوانين الإصلاح السياسي قد ينقذ الحكومة، ويطيل من عمرها، ويفرغ كتلة النقد العام على سياسات الحكومة في مجابهة وباء كورونا وجملة الأخطاء المتعلقة بها

بيد أن حديث تجديد حزمة قوانين الإصلاح السياسي قد ينقذ الحكومة، ويطيل من عمرها، ويفرغ كتلة النقد العام على سياسات الحكومة في مجابهة وباء كورونا وجملة الأخطاء المتعلقة بها، من قوة الدفع المحرّكة لها، فيتحول السياق العام إلى السجال السياسي من النقد إلى قضايا مغايرة، فيتيح للحكومة البحث عن ترياق البقاء أطول فترة ممكنة، بحيث تكون مهمة استعادة الإصلاح مخرج طوارئ لحكومة الخصاونة، إذ بات الباب مشرعاً أخيرا أمام تطور حالة النقد العام لها، وهي لم تكد تخرج من تعديلها الأول، واستقالة مفاجئة لوزير العمل، معن القطامين، إلّا وواجهت أزمة جديدة في حادثة مستشفى السلط (وفاة مصابين بكورونا لانقطاع الأكسجين عنهم) التي رفعت منسوب الغضب الشعبي والنقد العام، لنهج التعامل مع الأزمة التي باتت تتفاعل اقتصادياً واجتماعياً بشكل مضطرد.

هذه الوضعيه التي شهدت تدخل الملك عبدالله الثاني، ونزوله المباشر إلى مكان الأزمة، وقد أبدى امتعاضه مما حدث جرّاء الإهمال والتقصير، تبعها الأمر الملكي بتشكيل لجنة تحقيق عسكرية، بموازاة لجنة تحقيق قضائية، طالبت بها الحكومة التي خسرت في الأزمة أحد أفضل وزرائها، وزير الصحة نذير عبيدات، الذي قدم استقالته استجابة للضغط العام، وطلب الملك محاسبة المعنيين بالحادثة. ولم يكن رئيس الحكومة، بشر الخصاونة، بعيداً عن كل ذلك التفاعل الكبير أردنياً، فأعلن أمام مجلس النواب مسؤولية حكومته السياسية والأخلاقية عن الحادثة، وهذا أمر نادر الحدوث في سلوك الحكومات، لكنه اعترافٌ لم يكن منه مناص في ظل هول الواقعة وفداحتها؛ لكونها تظلّ، أولاً وأخيراً، ناتجة عن التقصير والإهمال.

اعترف رئيس الحكومة كما اعترف من سبقة بترهل الإدارة العامة، وغياب المساءلة والفساد والمحسوبية

اعترف رئيس الحكومة كما اعترف من سبقة بترهل الإدارة العامة، وغياب المساءلة والفساد والمحسوبية، وهي أمراض تصيب القطاع العام في كل الدول، ومنها الأردن، وأمام الخصاونة كانت تجربة سلفه في الحكومة، عمر الرزاز، الذي واجه بداية حكومته أزمة غرق أطفال رحلة مدرسية في منطقة البحر الميت، بيد أن تلك الحادثة كانت نتيجة فعل الطبيعة، ويومها أخرج الرزاز وزيرة التربية ووزيرة السياحة من حكومته. إلّا أنّ ظروف حكومة الخصاونه تبدو أكثر تعقيداً، مع تضاعف نتائج أزمة كورونا وآثارها، على الاقتصاد وعلى الخدمات الصحية، وهي حكومة تبدو محاطةً بملفات معقدة، منها الغضب الشعبي على نتائج الجائحة، ومن ثم تعاظم النقد العام للفساد، وضعف القدرة على توليد فرص عمل، وذلك كله مع إرث ثقيل لفجوة الثقة بين الحكومة والمجتمع، وهو ما اعترف به الخصاونة مراراً بقوله "إن حكومته جاءت وبرأسها هدف ترميم الثقة واستعادتها وتدرك صعوبة المهمة"، لصالح تجديد السمعة للحكومات الأردنية التي باتت، في السنوات الأخيرة، تفقد كثيرا من الثقة بها جماهيرياً، وبتسارع كبير، بعد نيل الثقة أمام البرلمان.

وعلى وقع النقد الشعبي وارتفاع مساحة الاحتجاج، كان على الحكومة أن تكون أكثر صراحة مع الناس، بصيغة واضحة، مفادها بأن الذهاب إلى الحظر الشامل أمر موجع ومكلف، ولكن تحاشي مزيد من النتائج السلبية يتم باتباع المواطن سبل الحماية والتباعد الاجتماعي وارتداء الكمامة والإقبال على المطاعيم. وعند الحديث عن المطاعيم، فإن المشكلة الكبيرة التي تواجهها الحكومة الأردنية اليوم، عدا عن ارتفاع الاصابات، الإقبال الضعيف على المطاعيم. وللأسف، هناك أعداد كبيرة من المستنكفين يومياً عن أخذ المطاعيم التي يوفرها الأردن بجهود كبيرة.

أزمة في العلاقة بين المركز والأطراف، وتعاظم الهجرة إلى العاصمة من الأرياف، وغياب الحلول والمشاريع الكبرى

ولاحقاً لجلسة مجلس النواب التي عقدت لاستجواب الحكومة عن أسباب حادثة السلط، التقى الملك عبدالله مسؤولين ورؤساء لجان مجلس الأعيان، وكان حديثه يتّضح فيه الغضب على ما آلت إليه الأمور، والـتأكيد على أن الأردن سينتصر في معركة الوباء، وعلى ظروفه الاقتصادية، وأن من المهم البدء بشكل سريع بمحاسبة كل من يثبت فساده وتراخيه عن خدمة الناس. وليس حديث العاهل الأردني عن تطوير العمل العام، ولا نقده ما يحدث من خمول وتقاعس ومحسوبية وفساد، جديدين، فقد جاء عليه أكثر من مرة، وطالب الحكومات مراراً بالنزول إلى الميدان ومعالجة الخلل، لكن الأخطاء تتكرّر ويستمر التحدي للأسف كل مرة. ويبادر الملك لتخفيف وطأة الأزمات، ويرافق هذا كله ضعف في أداء مجالس النواب المتعاقبة، وغياب الدور الفاعل للنخب، وبالتالي يبقى الناس يرون في الملك صانعاً للحلول. وهو الذي أكدّ، في حديثه الذي أعقب واقعة مستشفى السلط، أنه حين يرى الإخفاق وغياب المساءلة، فإنه يجد أن هذا الأمر هو خارج قيم الأردنيين التي ترفض الإبقاء على الضعف في كوامن القطاع العام ومفاصله، وانكفاء الوزراء في مكاتبهم في العاصمة، وهي حالةٌ راهنةٌ، لا تتفق وقصة بناء الأردن الحديث التي كانت فريدة في المنطقة.

وهنا لعلّ الأزمة الراهنة اليوم في الأردن ليست أزمة حرّيات أو إصلاح سياسي، بقدر ما للحريات وإصلاح السياسة من أهمية، بل هي أزمة العلاقة بين المركز والأطراف، وتعاظم الهجرة للعاصمة، من الأرياف، وغياب الحلول والمشاريع الكبرى التي لم تحقق أي أثر، في ظلّ تخلّف مخرجات مؤسسات التعليم عن مواكبة حاجات سوق العمل، ما يعني بطالة أكثر في ظلّ طفرة تعليم مستمرّة التضخم والتشوه.

الاستجابة الأردنية للتحدّيات دوماً قد تكون لصالح الأردن، لكنها اليوم تحدّيات متعاظمة وكبيرة، وغاية في الدقة

وعلى أساس أن البديل عن الإصلاح السياسي يكون في الحلول التنموية، وبعنوان الاقتصاد، فإن معضلة الأردن اليوم أنه بلد يستقبل نحو مليونين وربع مليون لاجئ، وهذا عدد كبير يرهق الدولة بكل مواردها، كما أن مشهد العلاقات السياسية الأردنية، واضطراب علاقاته مع العدو الإسرائيلي، والذي تبدّى، أخيرا، بمنع الأردن طائرة نتنياهو من عبور أراضيه، وفي ظل إدارة أميركية متحمسة لدعم الإصلاح السياسي والدفاع عن الحريات، وبخاصة ملف نقابة المعلمين، فإن ذلك كله يشكل ضغطاً مضاعفاً على الأردن. وللأسف، يحدث ذلك كله في ظل تراجع الدعم العربي مالياً، وفي تنامي الأصوات الناقدة من الخارج، والتي تتزامن مع تضييق إسرائيلي على البلد، وضغط متواصل، بحيث بات الأردنيون يتابعون مزيدا من منصات البث الشخصية لجملة معارضات خارجية أغلبها مقيته، ولديها فرضيات وآراء ونقد وتهم جاهزة وعابرة نحو الجميع، وبعضهم يؤكّد حبه الوطن، لكن الغريب أنه لا يكفّ عن تشويه كل ما فيه، وبعضهم مدفوع له، وأراد أن يكون بطلاً من الخارج، فلما جاء ودخل البلد، فوجئ بأن لا قيد عليه من دخول البلد، وبعضهم فاوض على سكوته مقابل منافع خاصة، علماً أن المجتمع مدركٌ تمام الإدراك بأن البلد لا يخلو من العيوب والأخطاء.

لعلّ من المفيد، ختاماً، التذكير بأن الاستجابة الأردنية للتحدّيات دوماً قد تكون لصالح الأردن، لكنها اليوم تحدّيات متعاظمة وكبيرة، وغاية في الدقة، في ظل أسئلة الشباب عن الغد الأفضل وهم يبحثون عن الرزق ومغادرة شبح البطالة، والذين باتوا، للأسف، يجدونه في أولويتهم الأولى، الهجرة وترك البلد لخيبات الساسة وفسادهم.