اكتشاف أميركا الجديدة وصور من أزمة عميقة

02 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

انتقلت السلطة في الولايات المتحدة من الرئيس ترامب إلى الرئيس بايدن، في مشهد يتوج رسميا نهاية سباق انتخابات شديدة التنافس، كثيفة المشاركة، وتزامن معها انقسام مجتمعي تجاوز توزيع الأصوات بين المرشحين بفارق بسيط، كما عبّر عن توجهين في الحكم. صحيحٌ أن الرأسمالية ضد الرأسمالية، لكن الفارق بينهما لا يمكن تجاهله، ومن غير الموضوعي عدم رؤية الاختلافات، وتجاوز مخاطر سياسات يمينٍ متطرّف معادٍ للتنوع، ورافض للآخر ومهدّد للتعايش السلمي، ويعزّز نوازع الكراهية والعنصرية، غير نوعية قياداته من شخصيات مهووسة أظهرت نيتها على إنتاج العنف السياسي كأي نظام سلطوي يفرض نفسه بالدماء.
مر تنصيب بايدن رسميا، وتبقى أزمات عميقة وعاصفة، من ضمنها أزمة وباء كورونا، والتي ساهمت في إطاحة بترامب، وأظهرت، على جانب آخر، أزمات كامنة. يفرض الوباء نفسه كما كان حاضرا في السجال السياسي قبل الانتخابات. يوقع الرئيس، في أول أيامه، قرارات لمواجهة الكارثة، ويقرّر المساهمة في جهود منظمات عالمية لمواجهة الوباء، ويبقى أمامه جائحة العنصرية في طورها الجديد، لذا يرفع بايدن شعار أميركا الموحدة أمام الانقسام، الذي مثل اقتحام الكابيتول (مقر الكونغرس) ذروته، وكان أشبه ببروفة حرب، قادتها ائتلافات اليمين الجديد بقيادة ترامب، والذي يمثل رحيله فقدان سندٍ مهمٍّ لها، لكنها ستستثمر أزمات المجتمع لإعادة إنتاج العنف مرّات أخرى، كما ممارسات سابقة منها احتجاجات شارلوتشفيل العنيفة عام 2017، والتي حملت شعاراتٍ يمينية، ومنطلقات تريد إعادة بناء المجتمع على أسس نمطية ترتكز على مفاهيم العرقية ووحدة الثقافة، وأمل استعادة ماضي البلاد الذهبي، عصر الكونفدرالية وسيادة التمييز العنصري، تفسر تلك الجماعات أزمات المجتمع عبر روايات المؤامرة، وتستند بعضها على شعاراتٍ دينية، ترى في الآخر المختلف عنها العدو، فالملونون والمهاجرون والمجموعات الإثنية يلتهمون الموارد والوظائف، والحزب الجمهوري يمثل هؤلاء، وضمن قياداته شخصياتٌ تهيمن على المؤسسات، ويمثلون الدولة العميقة، يستهدفون السيطرة على أميركا، وتحويلها لدولة تابعة تحت قيادة مجلس قيادة العالم والمنظمات الدولية التى يديرها اليساريون، غير أنهم يفسدون أخلاق المجتمع. ولم يكن هناك أنسب من ترامب لقيادة هذا التيار، وتوظيفه لفرض منهج الفردية وتهميش مؤسسات الحكم، وحتى عدم الاكتراث بالحزب الذي ينتمي له، وتقديم نفسه فردا خارج المؤسسات ومتجاوزها يخلق تأثيرا سياسيا أكبر. ويتشارك جمهور اليمين، ومن ضمنهم مقتحمو "الكابيتول" التصورات نفسها، وهى تشكل عمليا إحدى ضروريات تنظيم الفعل السياسي وتنميطه، بجانب وسائل الاتصال.

في مشهد "الكابيتول" حاول المحتجون تلطيف جراح النرجسية لدى ترامب عبر الانتصار له رمزيا، واحتلال رمز السلطة

عبّر مشهد الغزو عن مظاهر اعتلال سياسي ونفسي عميق، يربط عالم النفس الأميركي، أريك فروم، في تحليله الأسس النفسية للسلطوية والفاشية، بين النزعات اليمينية التدميرية والأزمات النفسية والاجتماعية، فالنظام ينتج جروحا لا تلتئم بسهولة، ومخاوف تثير القلق، والجنوح إلى الفوضى والعنف، وفي مشهد "الكابيتول" حاول المحتجون تلطيف جراح النرجسية لدى ترامب عبر الانتصار له رمزيا، واحتلال رمز السلطة، كما حاولوا تضميد جراحهم عبر ممارسة عنفٍ تدميريٍّ، يرتكز على نفي الآخر بالقوة وتدمير الرموز التي تمثله، وفرض رموزهم التي تستدعي الماضي في مواجهة الحاضر، رفع علم الكونفدرالية، والتذكير بصراع ولايات الشمال والجنوب. كان المشهد حروبا متخيلة لأشخاص مهووسين. لم يكن تمرّدا أو ثورة من أجل قيم المساواة والعدل ورفض التمييز، بل على العكس استدعاء كل القيم المناقضة، وكانت طقوس التمرّد وما استخدم من رموز، تشكل "ميثاقا اجتماعيا"، على حد تعبير مالينوفسكي، فقد شكل المحتجون من الرموز مجتمعهم بما فيه من مظاهر توزيع السلطة والامتيازات والملكية. لا غرابة هنا أن يرفع علم الكونفدرالية في شكلٍ من تمجيد الأسلاف.
هكذا بدا الصراع محكوما بلغة الأنثروبولوجيا إلى قواعد قبلية، تستبعد من لا ينتمي إلى نسقها السياسي ومعتقداتها وتعاديه، وتعتمد من حيث بنائها على الفردية والثأر ممن يختلف مع قائد القبيلة، وتثمن دوره زعيما فردا يدين الجميع له بالولاء. وبالطبع أتباعه وطنيون وشرفاء ورائعون كما وصفهم الزعيم، وهم يرتبطون معه بعلاقاتٍ من التبعية والإجلال، كما كل النظم القومية والفاشية، وهذا ما أظهرته ائتلافات اليمين الأميركي في علاقتها بقائدها، حين رفعوا شعار "سنقاتل حتى ننتصر"، وكان ترامب يحمل رسائل سماوية، ويقود انتفاضة المقهورين الذين لبوا نداءه "أنقذوا أميركا".
قبل اقتحام الكابتول، الأربعاء 6 يناير/ كانون الثاني 2020، شهدت ولاية ميشيغن، مايو/ أيار الماضي، حادثا مشابها. وصف ترامب المقتحمين حينها بأنهم أناس طيبون، وطالب حاكم الولاية بعقد صفقة معهم، بينما كان الاقتحام احتجاجا على قرارات الإغلاق في ظل كورونا. كان ترامب يدرك حينها أن هؤلاء جمهوره الذين لم يضعوا فرضية مغادرة زعيمهم البيت الأبيض قيد التحقيق. ولا عيب أن يشابه الجمهور الزعيم ويكون جزءا منه، فترامب اعتبر الانتخابات مزوّرة قبل إجرائها إن لم يفز فيها. وبالمنطق نفسه، نشطت حركات برواد بويز وليبرتي وغيرها من مجموعات يمينية للدفاع عن ترامب، والذين يجتمعون في نسق قرابي على أسس ثقافية، وممتد بصلات تمجيد وارتباط يجمع أبناء العرق الأبيض. كما يمكن ملاحظة تأثير نمط القرابة نسقا سياسيا فيما كرسه ترامب من أدوار لأفراد عائلته والمقرّبين له، اعتمد على إيفانكا وزوجها مستشاره للعلاقات الخارجية، بينما كان أبناؤه الآخرون يقفون بجواره في ساحات ومعارك حشد الجمهور، ويعلنون أنباء ترشّحهم للكونغرس واستكمال مسيرة العائلة.

صعود اليمين الجديد وجد مساحةً مع انتخاب أوباما أول رئيس غير أبيض

على الرغم من ماضوية أفكار ائتلافات اليمين الداعم لترامب وتخلفها، إلا أنه اتخذ شكلا حداثيا في الدعاية وإدارة العملية السياسية، استخدمت هذه الائتلافات قنوات اتصال متعدّدة لإحداث نمط من الأفكار والانطباعات، وليس قول رأي وتسيده، ولكن توجيه جمهور إلى ما يجب فعله، فمن المحطات التليفزيونية والصحف إلى نشاط بارز على وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي دفع مواقع إلكترونية إلى تتبع رسائل الكراهية والتحريض على العنف، واتخاذ إجراءاتٍ للحد من آثارها، حتى أن موقع غوغل أوقف الإعلانات المدفوعة، حتى إنهاء إجراءات انتقال السلطة. ولم تكتف تلك الائتلافات بوسائل تشاركية عامة، بل صممت وسائل اتصالٍ تخصّها لجمع مناصريها، فبات موقع gab الذي يماثل Facebook منصة تشبه الغيتو، توظف للدفاع عن ترامب الذى يتصدّى لمؤامرةٍ كونيةٍ يقودها مجلس إدارة العالم، الذي يستهدف التحكّم في أميركا كمجتمع حر، وأن ينشر أفكارا يسارية، يتبناها الحزب الديمقراطي، كانت مجموعات اليمين، ومن بينها كيو أنون وحماية القسم وليبرتي وبرود بويز، حاضرة في مشهد الانتخابات الأميركية، وأيضا اقتحام "الكابيتول"، ودعمت مؤسسات إعلامية مقولاتهم، بل تصدّر بعض العاملين فيها النقاش على منصات التواصل الاجتماعي التي أنشئت بوصفها عالما موازيا، تضم هذه المجموعات، بل يعتبر فاعلون كثيرون فيها أنفسهم جنودا ضمن كتائب إلكترونية مقاتلة، فقد عُرّف جيك أنجلي، الشاب الذى كان يرتدي خوذة وقرنين ورمحا في أثناء اقتحام "الكابيتول"، بأنه جندي إلكتروني للدفاع عن ترامب الذي يتنقل أنصاره من أدوات الدعاية التليفزيونية إلى وسائل التواصل الاجتماعي. وفكريا ينتقلون بأفكارهم بين حقب زمنية ماضوية، ويستندون على أي شواهد تاريخية تنتصر لأفكارهم، يتعلقون بحرب الاستقلال، ويرفعون علم الكونفدرالية، في إشارةٍ إلى سيادة البيض، وتذكيرٍ بالعبودية باعتبارها موقفا معاديا للملوّنين والمهاجرين. استثمر ترامب هذا كله، خلال فترة ولايته، ولكن صعود اليمين الجديد وجد مساحةً مع انتخاب أوباما أول رئيس غير أبيض، وهذا ما يوضح الربط ليس سياسيا بين أوباما وبايدن، ولكن أيضا الموقف العنصري الذي يرتكز عليه اليمين المتطرّف، وينشئ نمطا من التفكير يشكل السلوك السياسي مرتكزا على العداء لغير البيض، ورفضه التنوع الثقافي والعرقي، ومعاداة منظور النوع الاجتماعي والحركات النسوية.

هناك أوضاع تفرض أجندة التغيير، وسيكون المأزومون فاعلين فيها

كل هذه التفاصيل من أفكار وممارسات لليمين المتطرّف، بالإضافة إلى أزماتٍ متراكمةٍ ومركبة، يفتح احتمالات تجدّد العنف مستقبلا، خصوصا في ظل الانقسام المجتمعي. وإن كانت الممارسة السياسة ترتكز على الاجتماع، فإنها في مشهد حالة ترامب تظهر أزمة المجتمع، وليس وحسب أزمة النظام السياسي، أو حتى أزمة الديمقراطية كما يردّد بعضهم، وهذه الأزمة هي ما أظهرت ما يشبه نظام القرابة كأدوات تنظيم سياسي على أساس النسب إلى العرق والثقافة. وعلى الرغم من التداخل بين ما هو قرابي وسياسي، إلا أن عالم الأنثروبولوجيا، مورغان، انطلق من أن نظام القرابة ينظم وضع المجتمع، بينما النظام السياسي ينظم وضع الدولة. وقد حاول ترامب، عبر ممارسته، تجاوز الدولة والمؤسسات، وركّز على مشكلاتٍ كامنةٍ فى المجتمع لجمع أنصاره، يعطي المشهد والأزمة فرصة لتجديد السياسة، وتقوية تياراتٍ فكريةٍ تفكّك الأزمة.
هناك حقائق في المشهد أن أميركا جديدة تكتشف، تموج بالصراعات والاستقطابات على خلفية أزماتٍ متعدّدة، ليست وحسب أزمة العنف الذي تجلّى في منافسة سياسية بين الجمهوريين والديمقراطيين، ولكن أيضا أزمات قديمة وأخرى أظهرتها جائحة كورونا، منها تردّي أحوال الملايين من الأميركيين الذين فقدوا أعمالهم، ويعيش جزء منهم على الإعانات الحكومية، غير مشكلات ارتفاع مستويات العنف والتفكّك الاجتماعي، وبروز التمييز العرقي والعنصري والطبقي، والذي انتفض ضده قطاع واسع من الأميركيين بقيادة "حياة السود مهمة". ويؤشّر ذلك كله إلى أن هناك أوضاعا تفرض أجندة التغيير، وسيكون المأزومون فاعلين فيها. وهذه الحالة تجعل تيارات اليمين تتخندق وتمارس عنفها ضد ما تراه مهدّدات لأفكارها، والقوى الاقتصادية التي تمثلها مجموعات مصالح، وهي بدورها تغذّي ائتلافات اليمين المتطرّف وتحشدها لطرح آراء متطرّفة تخلق توازنا أو تحدّ من تغييرات تخل بمصالحها.