اتفاقات أبراهام وتشويه معنى السلام

22 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

وقّعت إسرائيل والبحرين والإمارات اتفاقات أبراهام برعاية أميركية في 15 سبتمبر/ أيلول 2020 لتطبيع العلاقات. ماذا يعني هذا التطبيع؟ من المهم قبل الإجابة عن معنى التطبيع في هذه الحالة الإشارة إلى أن اتفاقات أبراهام ليست اتفاقات سلام، ولا إنجازا تاريخيا كما يشيد بها مراقبون، بل هي خيرُ مثال على تشويه معنى السلام ذاته. إنها، في أحسن أحوالها، ليست سوى مجموعة من الترتيبات الاقتصادية والدبلوماسية بين فاعلين إقليميين مدفوعين بمصلحة مشتركة. ومن جهةٍ أخرى، تعُبِّر الاتفاقات عن ولادة تحالف لمواجهة تهديد مشتَرك متصوَّر. ولهذا، تظل ترتيباتٍ ضيقة مصممة لخدمة أصحابها وجني الفوائد من مصلحة مشتركة ومواجهة تهديد مشترك متصوَّر. وهي ثمرة مقاربة نخبوية مفروضة من الأعلى إلى الأدنى، وتهدف إلى خدمة الطبقة الحاكمة و"القادة المأزومين" في البلدان المعنية، فلم تنبثق الاتفاقات عن تطلعات الشعوب (الضامن الحقيقي لأي سلام دائم)، ولم تأت استجابةً لمقاربةٍ تصاعديةٍ، من المستوى الأدنى إلى الأعلى، بهدف إحلال سلام إيجابي. لذا، فإن من يظن أن اتفاقات أبراهام هي "سلامٌ" حقيقي، أو حتى صيغة مُفضية إلى أمنٍ أو استقرار حقيقي، هو واهمٌ ومضلل وخطِر، وينم عن عدم المسؤولية.

وهكذا، تطبيع العلاقات، انطلاقًا من هذا الفهم، بين إسرائيل وبلدان عربية، مثل البحرين والإمارات، يعني، من الناحية العملية، "الانخراطَ في التعاون المشترك من دون خجل أو حرج". ويعني، من الناحية السياسية، إخراجَ الدبلوماسية من "تحت الطاولة" إلى العلن. ومن الناحية الاقتصادية، يعني الاستفادةَ من الترتيبات الأمنية القائمة والتعاون الاستخباراتي لضمان ازدهار الاتفاقات الاقتصادية في قطاع الأمن (ومجمعاتها الصناعية) بين البلدان الموقعة. واجتماعيًا، سيما في حقبة ما بعد كوفيد - 19، سوف نرى مؤثّرين على وسائل التواصل الاجتماعي والمشاهير، وربما رجال الدين، يتغنون ببهارج "بناء السلام" المبتذلة من أجل التأثير في الرأي العام، وإرضاء النخب الحاكمة، والتربح ماديًا من "صناعة السلام" الناشئة. وهذه التبعات متعدّدة الأبعاد، تعكس الاستراتيجية قصيرة النظر التي يمكن أن نشهدها في المستقبل القريب، غير أن هذه التجليات تعتمد كثيرًا على استمرارية الإدارات والنُظم السياسية الحالية في مواقع الحكم. وسيكون اليوم التالي لمغادرة ترامب ونتنياهو منصبيهما السياسيين المحكّ الذي سيكشف قوة "اتفاقات التطبيع" هذه أو هشاشتها.

اتفاقات التطبيع خالفت "الإجماع العربي" في القضية الفلسطينية، وآذنت فعليًا بنهاية مبادرة السلام العربية

ولا بد من أن نتذكّر كذلك أن "اتفاقات التطبيع" هذه خالفت "الإجماع العربي" في القضية الفلسطينية، وآذنت فعليًا بنهاية مبادرة السلام العربية، كما طرحتها السعودية (حيث تظل هناك إمكانية قوية لصدور نسخة مستقبلية معدّلة من هذه المبادرة). وهكذا، فإنها زادت "الكتلة العربية" تجزئةً، وحققت هدفًا لطالما سعت إليه إسرائيل والولايات المتحدة. وعليه، تشكل "اتفاقات التطبيع" هذه مناسبةً جديدة للقيادة السياسية الفلسطينية للتأمل في مَن يمكن التعويل عليه. فشل جامعة الدول العربية في مواجهة البحرين والإمارات لخروجهما عن "الإجماع العربي،" وفشلها في أداء مهمتها السياسية الأساسية، يُثبتان للقيادة الفلسطينية أنها إنْ لم تضمن الكرامة والاستقلال وتقرير المصير للفلسطينيين في تحرّكاتها السياسية، فإن أحدًا لن يفعل ذلك.

واهمٌ مَن يظن أن اتفاقات أبراهام أوقفت خطة الضم الإسرائيلية لأراضي الضفة الغربية الفلسطينية، أو حتى كانت لها أي علاقة بذلك

قد يقول قائل إن إسرائيل قد نحَّت خططها لضم الضفة الغربية جانبًا منذ توقيع الاتفاق. ولكن، واهمٌ مَن يظن أن اتفاقات أبراهام أوقفت خطة الضم الإسرائيلية لأراضي الضفة الغربية الفلسطينية، أو حتى كانت لها أي علاقة بذلك، فقد قالها رئيس الوزارء الإسرائيلي، نتنياهو، والسفير الأميركي في إسرائيل، ديفيد فريدمان، من دون مواربة، إن الخطة لا تزال مطروحة. فضلًا على أن الحكومة الإسرائيلية وافقت أخيرا على بناء آلاف الوحدات الجديدة في المستوطنات والمستعمرات، غير الشرعية بموجب القانون الدولي. ولم تتوقف إسرائيل يومًا عن ضم الأرض الفلسطينية منذ قيامها في 1948، ولهذا لا ينبغي التعامل مع تعليق الضم على أنه "خبر عاجل،" فهو جوهر المشروع الاستعماري الاستيطاني، وجزءٌ من هويته. بل إن نقاشاتنا عن الضم لتشهدُ على فشلنا جميعًا على المستوى الدولي في التصدّي للأسباب الجذرية "للصراع" الفلسطيني – الإسرائيلي، فخطة الضم الإسرائيلية، كما تتكشف، في الوقت الراهن، ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالسياسة والديناميات داخل إسرائيل، وتنتهك القانون الدولي انتهاكًا صارخًا، بل وتخرق اتفاقات أوسلو الموقعة في 1993.

يمنح التحالف الإسرائيلي – البحريني - الإماراتي المدعوم أميركيًا القيادةَ الإسرائيلية وقطعان مستوطنيها مصدرًا إضافيًا للقوة والنفوذ

يمنح التحالف الإسرائيلي – البحريني - الإماراتي المدعوم أميركيًا القيادةَ الإسرائيلية وقطعان مستوطنيها في الضفة الغربية المحتلة مصدرًا إضافيًا للقوة والنفوذ، يُتَرجمُ إلى أشكالٍ متنوعة من العنف والإرهاب المادي وغير المادي المتنامي. وليس من المستغرب أن وتيرة العنف الإسرائيلي وإرهاب المستوطنين للشعب الفلسطيني قد ارتفعت في الشهرين الماضيين. وهذه التداعيات الفورية للتحالف المذكور تقترن أيضًا بآثارٍ بعيدةِ المدى، تتوقف على طريقة الجهات الفاعلة المختلفة في استغلالها وتوظيفها على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية، وما إذا كانت ستُفضي إلى "اتفاقات تطبيعية" إضافية جديدة. ويكتسب الدور السعودي المعلن وغير المعلن في هذا الصدد أهميةً كبرى، غير أن إسرائيل تمتلك في جعبتها، في الوقت نفسه، ورقةً إضافية بفضل الوهن و"التسليم" العربيَين. ولن تتورّع عن استخدامها بإرساء حقائق جديدةٍ على الأرض، تُرسِّخ واقع الدولة الواحدة القائمة على الفصل العنصري، دولةً ونظامًا ومؤسسات وهياكل.

في نهاية المطاف، يمكن النظر إلى التغيرات والتحولات الإقليمية الراهنة سيفا ذا حدّين في الشأن الفلسطيني، فهي قادرةٌ على جعل المستقبل القاتم أكثر قتامةً، كما في وسعها أيضًا أن تمنحَ القيادة الفلسطينية فرصةً أخرى لتغيير المسار والانخراط بجد في إصلاح المشروع الوطني الفلسطيني. إنّ عقد اجتماع قيادي لسرد شعارات وخطابات فارغة أو الإعلان عن وحدة شكلية بين حركتي فتح وحماس، أو حتى الدعوة (مجدّدًا) إلى عقد انتخابات ديمقراطية ليست الحل الناجع لهذا التحدّي الجلل والتهديد الوجودي المتمثل في التحالف الأميركي -الإسرائيلي – البحريني – الإماراتي، فهذه المقاربات جُرِّبت وفشلت مرات ومرات، وقد آن الأوان لتجاوز الاستراتيجيات قصيرة النظر والعاجزة تكتيكيًا، بل وتجاوز الإطار السياسي المتقادم الذي لا تزال القيادة الفلسطينية السياسية الحالية تتشبث به. لا ينتظر الفلسطينيون مزيدا من الاجتماعات والإعلانات واللجان والوعود بتحقيق الوحدة، وهم غير راضين بالتكتيكات والمقاربات القديمة والاستراتيجيات الفاشلة. ما ينتظره الفلسطينيون، ويعملون بجدٍ من أجل تحقيقه، خططُ عمل واضحة وعملية وملموسة، تُبين ما ينبغي فعله. هناك قيود وعراقيل عديدة تعترض الفلسطينيين على طول الطريق. ولكن مَن قال إن الطريق سهلة نحو الحرية والعدالة والمساواة وتقرير المصير وإحلال السلام الدائم؟