إدوارد سعيد ومحمود درويش مجدّداً

25 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

إدوارد سعيد ومحمود درويش محظوظان، ليس لأن شهرتهما شاسعة، ومقروئيتهما واسعة، ومكانتيهما في المتن الثقافي الفلسطيني، ثم الإنساني، عاليتان. وإنما إلى هذا كله (وغيره) أن انجذاب التأليف والكتابة عنهما ما زال على حرارته. وإذا كان الإكتراث بدرويش يفوق الذي بصديقه سعيد، فذلك يعود إلى الشعر في مقابل الفكر والنقد. لواحدِنا أن يحكي عن هذا، وخشيةٌ فيه من أن هذا الإنصراف المستمر إلى الشاعر والناقد/ المفكر يعود إلى "نجوميةٍ" متحققةٍ في "لمعان" اسميهما. وخشيةٌ أخرى من أن يختصّ البحث في منجزي درويش وسعيد بالإحتفاء بهما، ما يعني احتفالا أكثر منه حفرا وتفكيكا ونقدا (وانتقادا لم لا؟). وخشيةٌ ثالثةٌ من أن يُضعِف الدرس في الذي أعطياه المثقفان المتفرّدان انتباها ملحّا وضروريا ومطلوبا إلى ما ساهم به غيرهما، وما استجدّ من أطروحات ومساجلات، ومن قصائد ورؤى شعرية، في السيرورة الإبداعية والفكرية الفلسطينية. 

تنكتب هذه الحواشي في هاته المسألة، من دون تشكّكٍ في وجوب أن يستمر درس سعيد ودرويش، سيما وأن أجيالا جديدةً تتدافع من القرّاء والكتاب العرب، وبحساسياتٍ وانشغالاتٍ مفارقةٍ ربما عن التي كانت لدى سابقيهم، أو لدى ذوّاقةٍ من زمنٍ ينحسر ويمضي، وسيما أيضا وأيضا أنه فيما البادي أن مقروئية الشاعر ما زالت على وتيرةٍ كثيفة، إلا أن معرفة الجمهور (النخبة المتعلّمة على الأصح) بما أدّاه المفكر/ الناقد ناقصةُ، ومشوبةُ بتشويش ظاهر، وفي البال أن مقادير الإختصاص فيه كثيرة. وتنكتب تلك الحواشي أيضا هنا للنفاذ منها إلى تنويهٍ بكتابٍ أصدره أخيرا الباحث المغربي يحيى بن الوليد، "سردية فلسطين بين إدوارد سعيد ومحمود درويش .. تحليل ثقافي" (العائدون للنشر، عمّان، 2020). وأول دواعي هذا التنويه أن المقدّمة تُبلغ القارئ إن اقتصار الكتاب في سردية فلسطين على منجزي سعيد ودرويش لا يعني تغييب أسماء فلسطينية أخرى، وحتى عربية، خدمت فكرة فلسطين. وثاني الدواعي أن إعجاب يحيى بن الوليد بالإسمين ملحوظ في كتابته عن فلسطين في وعيهما، وفي فاعليتهما، وهو إعجابٌ كبير، غير أن الكتاب يطوفُ في فكرته الجوهرية عن سردية فلسطين لدى درويش وسعيد لا بنزوع المعجب، وإنما الباحثُ المجتهدُ الذي يتقصّى المَواطن التي تحضر فيها مقولة الكتاب ذاته، ولا ينسرق إلى نثرٍ احتفالي مسترسل. واللطيف أن الكتاب قليلُ الصفحات (134 صفحة بالفهارس وثبت المراجع)، لكن مؤلفه جال فيه على عشرات (بلا مبالغة) الإضاءات التي بادر إليها كتّابٌ أجانب وعرب عديدون (بينهم إعجاز أحمد ووليام هارت وأنطوان شلحت وفيصل درّاج ..)، والتقط منها ما عزّز فكرة الكتاب نفسه، وموجزها أن سردية فلسطين وروايتها عند المفكر/ الناقد والشاعر تذهب إلى ما هو أبعد من الوطني، والقومي، لتعانق الأفق الكوني، العالمي الإنساني.

الصفحات القليلة لا تعني تكثيف المقولة هذه، والتي بناها يحيى بن الوليد في انتباهاتٍ متعدّدة، ليس فقط إلى نصوص إدوارد سعيد الفكرية (في النقد الثقافي خصوصا) ومحمود درويش الشعرية، وعن فلسطين غالبا، وإنما أيضا من محاوراتٍ معهما، سيما مع درويش الذي أصاب المؤلف تماما في تشديده على أهميتها في الوقوع على تصوّرات الشاعر، كما عبّر عنها في مقابلاتٍ معه نشرتها الصحافة، والصحافة هنا الثقافية الثقيلة المستوى والوازنة. كما أن الصفحات القليلة هاته تيسّر لقارئها إطلالةً على السيرة المعرفية لكل من سعيد ودرويش، سيما المفكر/ الناقد الذي ليس ناقدا ثقافيا فحسب، بل وفلسطيني أيضا، بحسب قولة الهندي إعجاز أحمد التي تحيل إلى معطىً خاص لفلسطينية إدوارد سعيد، الذي يتعذّر عن التصنيف، بحسب الباحث المغربي، فهو موسيقي وعالم أوبرا وفيلسوف ورجل سياسي وسجالي. وربما أمكن التعقيب هنا أن الإعجاب الذي يمحضُه المؤلف لشخص سعيد جعله يأتي على مساحاتٍ ثقافيةٍ ومعرفيةٍ وسياسيةٍ وفنيةٍ غير قليلةٍ حضر فيها المفكر/ الناقد، ولا يأتي على مواطن احتاجت اشتباكا نقديا معها في بعض المطارح، من قبيل اللغة الإنفعالية التي اتكأت على السخط أكثر من اتكائها على النقد، بما هو فكر ومعرفة، لمّا كتب سعيد ما كتب، غاضبا عن حق، من اتفاق أوسلو. وجيدٌ من يحيى بن الوليد أنه اعتنى بكتاب سعيد "مسألة فلسطين" المبكر، والذي لم يهتم به الناشر والقارئ العربيان.

طيّب من "العائدون للنشر" أنها استهلت مشروعها الثقافي الخاص بإصدار هذا الكتاب، وطيّبٌ أن محرّر الدار، الشاعر عمر شبانة، قدّم له .. وطيّبٌ أيضا أن نعرف محمود درويش وإدوارد سعيد، وذكرى وفاته اليوم، أكثر وأكثر. وطيبٌ أن يعرّفنا باحثون في سوية يحيى بن الوليد على سردية فلسطين عند غيرهما.