"إخوان الشيطان"

26 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

 

في وقت واحد، يلتقي مشايخ و"علماء" شرع و"فنانات" و"إسرائيل" وقادة دول (ماكرون وترامب وغيرهما ..)، وقانونيون ومشرّعون عرب أقحاح، على كيل السباب والاتهامات والشيطنة و"الأبلسة" لجماعة اسمها "الإخوان المسلمون"... تُرى، ما سر هذه الجماعة، وكيف يلتقي على "إدانتها" الأضداد من مفتين وعلمانيين و"كفار" ومؤمنين؟ وكيف تحوّلت جماعةٌ، تتحدّث كل أدبياتها عن الدعوة إلى الله على بصيرة، إلى "جماعة إرهابية"؟
في وقت سابق من العام الماضي، رفضت بريطانيا تصنيف الجماعة تنظيما إرهابيا، بعد تحقيقاتٍ استخبارية طويلة، وإنْ أبقت نشاطاتها والمؤسّسات التي تدعمها تحت المراقبة. قيل حينها إن بريطانيا لم تغامر بإعلان الجماعة تنظيما إرهابيا خوفا من ردود الفعل التي يمكن أن تحصل في بريطانيا والدول الأوروبية جرّاء هذا الأمر. وقبل هذا، في منتصف العام 2011، تحدّثت هيلاري كلينتون، إبّان تسلمها وزارة الخارجية الأميركية، عن "علاقات" من نوع ما بين الولايات المتحدة وجماعة الإخوان المسلمين. وقالت، في حينه، في خطاب ألقته في بودابست: "الإدارة التزمت بالمنهج الذي اتبعته على مدى السنوات الخمس أو الست الماضية، وما زالت تلتقي بممثلي الإخوان المسلمين". وبرّرت كلينتون، في تصريحاتها، الخطوة قائلة: "نظرًا إلى الظروف المتغيرة في المشهد السياسي في مصر، من مصلحة الولايات المتحدة أن تكون على اتصال مع جميع الأطراف الملتزمة بالسلام والالتزام بالسلوك اللاعنفي". ما يعني أن الولايات المتحدة اعترفت، في حينه، وكانت ثورات الربيع العربي في ذروتها، بالإخوان المسلمين عاملا صاعدا ولاعنفيا ومعزّزا في السياسة المصرية. ولأن للولايات المتحدة مصالح في مصر والمنطقة، فهي تدرك أنه لا مفر من توطيد العلاقات معهم.

وصل الأمر ببلد كالسعودية إلى دفع "هيئة كبار العلماء" فيها إلى القول بـ"انحراف" الإخوان، لأنها "لا تتبع منهج الإسلام"

ومن المعروف أن لدى الولايات المتحدة قائمة بالحركات المصنّفة إرهابية، ولم تدرج أي إدارة أميركية جماعة الإخوان المسلمين في تلك القائمة. ولا حتى إدارة ريغان أو بوش أو ترامب. ولو كانت هناك أسبابٌ لوضع جماعة الإخوان المسلمين على القائمة، فإن المخابرات الأميركية ستطلب ذلك، وسوف يلتزم رؤساء الولايات المتحدة على الفور. ولكن لم يحدث أيٌّ من هذا، لأن الإخوان المسلمين أعلنوا معارضتهم العنف، حتى حينما تعرّضوا له، وكانوا من ضحاياه طوال سنوات عمل الجماعة، منذ تأسيسها في بدايات القرن الماضي. ويرى باحثون هنا أن تصريح كلينتون أشار، في حينه، إلى أن الأميركيين يعدّلون سياساتهم مع الواقع السياسي الجديد الذي ظهر في أعقاب الربيع العربي. الدافع الرئيس لذلك هو "السياسة الحقيقية": الإخوان المسلمون قوة سياسية صاعدة، وهم ملتزمون بالقانون، يلعبون لعبة الأحزاب الديمقراطية وفق قواعد اللعبة المقبولة. لذا تحدثوا معهم.

الإخوان المسلمين أعلنوا معارضتهم العنف، حتى حينما تعرّضوا له، وكانوا من ضحاياه طوال سنوات عمل الجماعة، منذ تأسيسها في بدايات القرن الماضي

منذ ذلك الحين، تغيرت أشياء كثيرة، فقد تكفّلت "الثورة المضادّة" بإجهاض الربيع العربي، ولوحق الإخوان المسلمون، وما يسمى "الإسلام السياسي" في غير بلد، عربي وغربي، إلى أن وصل الأمر ببلد كالسعودية إلى دفع "هيئة كبار العلماء" فيها إلى القول بـ"انحراف" الإخوان، لأنها "لا تتبع منهج الإسلام"، وبذلك هي بحسب الهيئة المذكورة "جماعة إرهابية"، وهو تعبير سياسي لا شرعي، بل ليس له مكانة أصلا في الأدبيات الشرعية لا قديما ولا حديثا، وهو "فخّ" وقع فيه علماء شرعيون لهم تاريخ طويل في التعامل مع النص الشرعي، خوفا، كما يبدو، من بطش محتمل إن هم لم يتماهوا مع رغبة الحكم، وكي لا يلاقوا مصير من رفض "تفصيل" الفتاوى على مقاس تلك الرغبة.
رحبت "إسرائيل" بالموقف "الشرعي!" الجديد، واعتبرته، وفق تغريدة على تويتر لـ"إسرائيل بالعربية"، موقفا حميدا يدعو إلى السعادة قائلة:" يسعدنا، نحن في إسرائيل، أن نرى هذا المنهج المناهض لاستغلال الدين للتحريض والفتنة، ولا شك أن جميع الديانات السماوية جاءت لزرع المحبة والإلفة بين الناس. نحن في أمس الحاجة إلى خطاب يدعو للتسامح والتعاون المتبادل للنهوض بالمنطقة برمتها. حياكم الله".
ذهب المحللون من مذاهب شتى في تفسير الموقف الجديد لتلك الهيئة، وأسباب خروجه في هذا الوقت بالذات، بعد انهيار حكم ترامب وحزبه، واستدعاء مواقف الحزب المضاد (أوباما، وكلينتون، وبالتالي بايدن)، وقالوا إنه إجراء استباقي لأي مواقف قد تنتهجها الولايات المتحدة في عهد بايدن. وقد يكون لهذا الرأي بعض الوجاهة، لكن السبب وراء أبلسة الإخوان المسلمين، ونعتهم بأنهم "إخوان الشيطان"، هو أبعد من هذا بكثير، خصوصا وأن عملية الشيطنة اليوم في بلاد العرب يتردّد صداها في بلاد الغرب، حيث "تتنمّر" أنظمة وزعماء ودول غربية ضد كل ما هو مسلم، وربما يكون ماكرون وسفهه التعبير الأكثر فظاظة عن هذا النهج.

هنالك ثلاثة "أخطاء" فاحشة ارتكبها "الإخوان"، تجعل من المستحيل التسامح معهم. لعل أولها رفضهم وجود "إسرائيل"، ومحاربتها فور إعلان قيامها

الإخوان المسلمون، والإسلام السياسي، والإسلام، والتطرّف الإسلامي، هي مترادفات غالبا ما تعبر عن كنه واحد في الخطاب المضاد لمليار ونصف المليار من سكان الأرض، لكن بعضهم يتذاكى، فيخص "الإسلام السياسي" بغضبه وهجائه، احتيالا على المصطلح، والتفافا على ما تخفيه الصدور. وإن كان الإخوان المسلمون إخوانا للشيطان، فثمة شكٌّ كبيرٌ في أن الشيطان أعلن إسلامه، وترك مهمة الشيطنة لأنظمة وحكام وقادة دول يعانون من هستيريا "الإسلاموفوبيا"، ليس لشيء إلا لأنهم يخشون عدالة الإسلام وتسامحه ورحمته (وسطوته أيضا!)، وكل هذه القيم لا تتسق مع وحشيتهم وعدائهم المزمن للخير بمفهومه المطلق.
هناك ثلاثة "أخطاء" فاحشة ارتكبها "الإخوان"، تجعل من المستحيل التسامح معهم. لعل أولها رفضهم وجود "إسرائيل"، ومحاربتها فور إعلان قيامها، و"تفريخهم" فيما بعد لحركة المقاومة الإسلامية التي كانت ولم تزل سببا لإحراج المتخاذلين والمطبّعين والجواسيس. ونجاحهم الدائم في أي انتخابات نزيهة يمكن أن تجرى في أي بلد عربي (حتى مع استعدادهم للقبول بمبدأ تداول السلطة!). وسعيهم الدؤوب إلى تغيير الواقع البائس للجماهير العربية، حتى لو كان هذا السعي بالوسائل السلمية عبر صناديق الاقتراع تحت سقف القوانين والدساتير الوضعية... هذه الأخطاء "القاتلة" تجعلهم مطرودين (إلى الأعلى)، ففي كل مرّة تعرضوا لشبه إبادة قاموا من بين الرماد، ليس لأنهم عباقرة وأساطير، بل لأنهم التعبير البسيط القريب لنفوس الجماهير من هذا الدين العظيم، وهذا هو الخطأ الرابع.