أنور رسلان .. محاكمة على هامش العدالة

أنور رسلان .. محاكمة على هامش العدالة

15 يناير 2022
الصورة

الضابط السوري السابق أنور رسلان في محكمة كوبلنز بألمانيا (13/1/2022/فرانس برس)

+ الخط -

أسدلت المحكمة الإقليمية العليا في كوبلنز الألمانية الستار على الفصل الأول من محاكمة ضابط المخابرات السوري المنشق العقيد أنور رسلان، وصدر الحكم بالحبس مدى الحياة بعد إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية عن الفترة التي خدم بها في إدارة أمن الدولة في دمشق، والحكم قابل للاستئناف. والمحاكمة تثير الشجون والأسئلة، شجون الضحايا وذويهم، وأسئلة العدالة واستحقاقاتها، وكلّها ذات وجاهة، من أي جانبٍ نُظر إليها، خصوصا أنّ الجرائم التي حُكم عليها المتهم المدان تتراوح بين القتل والتعذيب والاعتداء الجنسي.

أوّل الشجون، هي التي ما زالت معلّقة على جدران الزنازين والمنفردات والمهاجع المكتظّة بالمعتقلين في أقبية مخابرات نظام الأسد، وفي سجونه العلنية والسرية. تلك التي لم يغادر بعضها ساحات الألم والحرمان والحسرة منذ سنين طوال. ثاني الشجون تلك التي تحملها الأمهات والآباء، الزوجات والأزواج، الأولاد والأخوة والأصدقاء، على من غيّبهم الموت أو الاختفاء القسري أو الاعتقال. وهذه شجون بجراحٍ غائرة لا تندمل، وأنّا لها ذلك، وهي مفتوحة وسع المدى تلتهم الأرواح والأجساد والذكريات!

أمّا الأسئلة فأكثر من أن تُعدّ وتُحصى، ولعلّ في الحكم إجابة عن بعضها، ولعلّ في الترحيب الكبير الصادر عن منظمات دولية وشخصيات سياسية إظهار لمدى أهمّية الحكم. لقد عبّرت القاضي كاثرين مارشي - أويل، رئيسة الآلية الدولية المحايدة والمستقلة عن ذلك بقولها: "حكم محكمة كوبلنز بالغ الأهمية، ليس فقط للضحايا والناجين المباشرين من هذه الجرائم، ولكن أيضا للضحايا والناجين من الانتهاكات العديدة التي لم تعالَج بعد، وارتكبت في الماضي وما زالت تُرتكب في سورية. ويجب أن نعترف بأن هناك عملا كثير يتعين القيام به من أجل تحقيق العدالة. ويذكرنا هذا الحكم بما هو ممكن، ويؤكد لمرتكبي الجرائم الخطيرة أنهم سيخضعون للمساءلة بسبب أفعالهم".

مسار العدالة في سورية طويلٌ جداً، شائكٌ، معقّدٌ ومليء بالتحدّيات، لكنّ مشوار الألف ميلٍ يبدأ بخطوة، وحكم كوبلنز جزء من هذا المشوار، وخطوة في الاتجاه الصحيح

الأغلب الأعمّ من هذه الأسئلة سيبقى بلا إجابات، إلى أن تنتهي مأساة سورية وأهلها، أو إلى أن يرث الله الأرض ويبدأ يوم الدينونة. هل هو كافٍ الحكمُ على ضابط منشقّ عن نظام الأسد، وهل يفي هذا بالغرض، بينما لا يزال كبار المجرمين على رأس عملهم يمارسون الإرهاب والقتل والتعذيب والاغتصاب؟ وما الفائدة التي يمكن أن يجنيها من قضى في السجون؟ وهل يعيد الحكم للضحايا اعتبارهم وبعضاً من كرامتهم المهدورة، هل يتناسب الحكم مع حجم الجرائم الهائل المرتكبة في سورية منذ 11 عاماً، وهل سيكون بالإمكان فتح كل ملفات الجرائم والانتهاكات هناك؟

عشراتُ، بل مئاتُ الأسئلة المحقّة التي يمكن طرحها. ولكنّ لا بدّ من القول إنّ الحكم يؤسّس لسابقة قضائية يمكن البناء عليها، فهو وإن كان محاكمة فردية لأحد المتهمين، إلا أنّ إجراءات المحاكمة المختلفة، وما تطرّقت إليه وما بحثته من أدلّة ودفوع، والسياق العام الذي جرت فيه وحيثيات الحكم، كلها تؤشّر إلى نسقٍ متكامل يخدم العدالة بشكل عام والعدالة في سورية بشكل خاص، خصوصا أنّ المحاكمة قد تطرّقت لما يجري في سورية بهذا الخصوص، وأنها أثبتت أنّ سياسة الاعتقال والتعذيب وارتكاب الانتهاكات ممنهجة وواسعة النطاق، ما يجعل الحكم ذا قيمة عالية.

يهتمّ القانونيّون بالأدلّة المعتمدة، وبمنهج التحليل القانوني، وبالتأصيل القانوني للجرائم من حيث الوصف الجرمي وتحديد العقاب المناسب، كما يهتمون باعتبار هذا الحكم سابقة قضائية مهمّة للعدالة في سورية. ويهتمّ الضحايا بالأثر المعنوي الكبير للحكم، وبالأمل في أن يشكل مثالاً يُحتذى لدول عديدة، لفتح ملفات الملاحقة الجنائية أمام محاكمها وفق مبدأ الولاية القضائية العالمية. كما يشكل الحكمُ أيضاً دافعاً كبيراً للأفراد من الضحايا والناشطين، وللمنظمات العاملة في الشأن الحقوقي، ويبيّن المدى الواسع لمجالات التعاون بينها، والنتائج الكبيرة التي يمكن تحقيقها في هذا المجال.

حجم الجرائم في سورية يفوق كل تصوّر، والمرتكبون موزّعون على جميع الجبهات، فلا وجود لأيدٍ نظيفة في هذا الصراع

صحيح أنّ مسار العدالة في سورية طويلٌ جداً، شائكٌ، معقّدٌ ومليء بالتحدّيات، لكنّ مشوار الألف ميلٍ يبدأ بخطوة، وحكم كوبلنز جزء من هذا المشوار، وخطوة في الاتجاه الصحيح. ولعل مما يجب التركيز عليه، في هذا المجال، أنّ جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية لا تتقادم بمرور الزمن، وبالتالي المجال مفتوح لملاحقة مرتكبي انتهاكات كهذه مهما طال الزمن وتراخى، فلن يفلت المجرمون من العقاب.

سيكون علينا، في المقابل، عدم رفع سقف التوقعات، فحجم الجرائم في سورية يفوق كل تصوّر، والمرتكبون موزّعون على جميع الجبهات، فلا وجود لأيدٍ نظيفة في هذا الصراع. وتشارك القوات الأجنبية المختلفة والمليشيات الإرهابية والطائفية بهذه الجرائم مع قوات النظام، وإن اختلفت نسبة هذه المشاركة وحجم الانتهاكات والمسؤولية عنها، إلا أنّ من شأن ذلك أن يعقّد في المستقبل الملاحقة والمحاسبة. لا بدّ أنّه سيكون واهماً من يعتقد أنّ روسيا أو أميركا أو تركيا ستقبل بإنشاء محكمة دولية أو مختلطة مثلاً لملاحقة هذه الجرائم.

مع ذلك، يبقى الأمل قائماً، ويجب أن يُعزّزَ بعمل حقيقي فعّال على الأرض، كي يثمر في النهاية نتائج قابلة للقياس، فتحّيّة لكل من ساهم في هذا المسار، وبرجاء أن تنتقل الملاحقات القضائية لمرتكبي الانتهاكات من جميع الأطراف، من هامش العدالة إلى صلبها وقلبها.