أماندا جورمان .. الشعر في حفل بايدن

22 يناير 2021
الصورة

أماندا جورمان تلقي قصيدتها في حفل تنصيب بايدن (20/1/2021/Getty)

+ الخط -

كثيرا ما جاء الرئيس الأميركي، جو بايدن، على دورٍ خاص في حياته المهنية لزوجته جيل، المطلقة من زواج سابق، والتي قرأنا إنها ستحتفظ بوظيفتها معلمة. اقترن بها بايدن بعد وفاة زوجته الأولى (وابنتهما) في حادث سيارة. الظاهر أنها امرأةٌ بالغة التحضّر، وتقدّمية (بلغة سالفةٍ كانت مأثورة). الشاهد في هذا أنها التي اختارت الشاعرة السمراء، أماندا جورمان (22 عاما)، لتكون صاحبة القصيدة في حفل تنصيب بايدن رئيسا. وهو ما كان، فرأينا في الحفل هذه الشابة، شعرَها المجعّد مطوّقا بتاجٍ أحمر، فستانَها أصفر، وخاتما كبيرا في يدها اليسرى، وقرطين دائريين، كأنهما إفريقيان، في أذنيها. صغر سنّها وسُمرتها (زنجيّتها) ينطقان بمحمولاتٍ ومرسلاتٍ غزيرة. وتقليد قراءة شاعرٍ قصيدة له في حفل تنصيب الرئيس الجديد حوفظ عليه في أميركا، منذ سنّه في العام 1961 الرئيس جون كينيدي الذي دعا شاعرا شهيرا، روبرت فروست. شذّ حفل تنصيب سيئ الذكر ترامب، قبل أربعة أعوام، عن هذا الإجراء. 
شاهدْنا أماندا تقرأ قصيدتَها، بأداءٍ طيب، وثقةٍ ظاهرة بالنفس، ورشاقةٍ في إيماءاتها الطفيفة التي رافقت صوتَها، الهادئ وإنْ تماوج أحيانا. أعجبت الحضورَ كثيرا. بدا بايدن منشرحا وهو يصفّق لها. في سيرتها إن لها مجموعةً شعريةً، وإنها اختيرت قبل نحو ثلاثة أعوام شاعرةً وطنيةً في أميركا، فاستهلّت الموسم الأدبي السنوي لمكتبة الكونغرس. عانت في طفولتها من تلعثم في أثناء تكلّمها، ولكنها على ما شاهدْنا قالت قصيدتَها بكفاءةٍ باهرة. ونُشر إن الرئيس الجديد عانى من هذه المشكلة في طورٍ من طفولته .. هل كان هذا من بواعث اختيار زوجتِه أماندا شاعرةَ حفل التنصيب؟ لا أدري.
قالت أماندا جورمان إن قصيدتها ولدت يوم الاعتداء إياه على الكونغرس، 6 يناير/ كانون الثاني الحالي. اختارت لها اسم "التلّة التي نصعدها " (The Hill We Climb). مضامين قصيدةٍ تُلقى في مناسبةٍ وطنيةٍ كبرى كهذه هي الأدعى للاكتراث من مستواها الفني، التعبيري اللغوي التصويري. ارتحلت القصيدة إلى مناطق الأمل والتفاؤل بأميركا التي ستصير، بعد أن افتتحتْها أماندا بالتعريف بنفسها، سوداءَ نحيلةً، ربّتها أمّ بمفردها في وسعها أن تحلم الآن أن تصير رئيسة، تجد نفسَها تقرأ الشعر أمام من صار رئيسا. ثم أشارت القصيدة إلى من أرادوا تمزيق أميركا، وكادوا أن ينجحوا، ولكن الأميركيين في وسعهم أن يتغلّبوا على الكراهية. "لن نعود إلى ما كان، بل نمضي إلى ما ينبغي أن يكون"... قالوا لأماندا أن تكتب قصيدةً لأميركا الموحدة، الواحدة، انسجاما مع ما سيعمل عليه الرئيس، فكتبت في قصيدتها ما تؤمن به، وما يتّسق مع ثقافتها التي دلّ عليها شعرُها، الذي أفادت نتفٌ نُشرت عنه بأنه ينشغل بمناوأة التهميش والعنصرية والاضطهاد، وبالأفارقة وتيه العبيد. قالت القصيدة التي سمعناها "سنحوّل هذا العالم الجريح إلى عالم رائع آخر"، و"هناك دائما نور، لو أننا فقط شجعانٌ بما فيه الكفاية لرؤيته، لو أننا فقط شجعانٌ بما فيه الكفاية لنكونه".
إذن، اثنتاهما معا، القصيدة وكاتبتها الشاعرة، خرّيجة "هارفارد" أخيرا، بكل ما فيهما من انتصارٍ للإنسان، ولأميركا التي تقاوم العنصريين، كانتا من تمثيلات عهدٍ جديدٍ يريده الرئيس بايدن لبلده المُصاب بانقسامٍ غير هين. قال في خطابه في حفل التنصيب أمام "الكابيتول" (مقرّ البرلمان) عن ما سيصنعه، ومعه كل مواطنيه، من أجل مداواة أميركا. وقالت أماندا جورمان إن ثمّة تلّةً تصعدها، هي السوداء المنحدرة من عبيد (بتعبيرها)، مع أميركا كلها، القادرة على أن لا تكون أكثر من إرثٍ يُفتخر به، على ما تصفها القصيدةُ المحمولة على حزمٍ من المغازي والمقاصد، ومنها أن "الفجر الجديد يبزغ نورُه عندما نحرّره".
قالت قصيدة روبرت فروست في تنصيب كينيدي: "كانت الأرض لنا قبل أن نكون لها. وقبل أن نكون شعبَها كانت شعبَنا". وفي تنصيب بيل كلينتون، طلبت الشاعرة مايا أنجلو، في قصيدتها، من المهاجرين الذين قدموا إلى أميركا أن يصلّوا من أجل الحلم الأميركي، وأن يطلقوا تحية الصباح لوطنهم الجديد. وجاء شاعر حفل ولاية كلينتون الثانية، ستانلي وليامز، على الأميركيين الذين يحفظون تاريخ بلدهم عن ظهر قلب، ويضعونه هديةً بين أيدي أطفالهم. وفي تنصيب أوباما، احتفت قصيدة إليزابيث ألكسندر بمجد أميركا وتاريخها، بالذين أقاموا الجسور، وقطفوا القطن، وقادوا عربات القطار، وبنوا الصروح .. أخذ هؤلاء الشعراء سامعيهم إلى ماضي أميركا وما كانته، أما أماندا جورمان فسمع منها المحتفون ببايدن عن أميركا الجريحة في راهنها، والمحتاجة إلى الأمل في مستقبلها.