أقوى نظام في العالم

28 سبتمبر 2020
الصورة

(حسن جوني)

لم يكن صديقنا الشاعر اللبناني، عقل العويط، يمزح، وهو يتباسط معنا، نحن ضيوفه في بيته في بيروت، لمّا قال إن النظام في لبنان أقوى نظام سياسي في العالم. كان أزيدُ من شهر قد مضى على اشتعال انتفاضة "17 أكتوبر". وكانت القناعة لدى محدّثنا، ولو أنه أفضى بها بتفكّهٍ في سهريةٍ طيبةٍ، أن لا أحد من "كلّن"، ممن يثور عليهم اللبنانيون في الساحات والشوارع والميادين، في بيروت والبقاع وصيدا وطرابلس، سينزاح من مطرحِه في السلطة، الظاهرة أو الخافية أو البيْن بيْن، وأنّ لا شيء سيُبادر إليه هؤلاء من شأنه أن يُحدِث تغييراً فعلياً وشديد الإلحاح في لبنان المدمّى بالإفلاس والنهب والفساد وتبجّح الزعامات المتحكّمة فيه. وفي نحو عامٍ مضى على وقوع عبارة شاعرٍ صنْعتُه مراودةُ الأخيلة، ولم يُعهد عنه أنه جدَّ في علوم السياسة، على مسامع صاحب هذه الكلمات، تتابعت وقائعُ دلّت على مقادير غير هيّنةٍ من وجاهة القول إن النظام السياسي في لبنان على درجةٍ مدهشةٍ من القوة والتماسك، وإنْ ذاع القول، الصحيح، عن هشاشة الدولة اللبنانية نفسها. ومظاهر القوة المتعيّنة في النظام المذكور باديةٌ في قدرة الأطراف التي تشكّله، وتنتظم في دواليبه، على المكاسرة ضد بعضها بعضاً، من دون إخلالٍ بسقوف اللعبة التي تتواطأ الأطراف نفسُها على ترسيمها، أي من دون الذهاب إلى تحطيم أحدٍ أحداً.
رأت أجسامٌ سياسيةٌ في تشكيل حسّان دياب حكومته تغلّبا من أجسامٍ أخرى عليها، فلبست ثوب المعارضة، وإنْ لا يصحّ تماماً استعمال تسميةٍ كهذه في المنظر السياسي اللبناني المعلوم، فموالاةٌ ومعارضةٌ تصنيفان جائزان في نظامٍ يسلك الديمقراطية أو بعضها، وليس في لبنان ما هو أكثر غياباً من الديمقراطية، نسقاً سياسياً مغايراً للماثل من فائض الحرية فيه. ولمّا ضرب الإنفجار المهول مرفأ بيروت، بعد يوم من استقالة وزيرٍ في الحكومة، وجد نفسَه في لبنانٍ "يتحوّل إلى دولة فاشلة"، على ما قال، شاع أن المصيبة توجب استيلاد حكومةٍ جديدةٍ، إصلاحيةٍ وحسب، تتولّى مشروعاً يحاول، ما أمكن، انتشال البلد من قيعان الحُطام الفادح الذي تمكُث فيه. وذاع أنها ستكون حكومةً من كفاءاتٍ مستقلةٍ لا غير، لا سلطة لأحزابٍ أو تكويناتٍ سياسيةٍ عليها. تسلّل في الغضون شيءٌ من التفاؤل بأن أمراً كهذا ربما يحدُث، سيما وأن قوة دفعٍ فرنسية وراءه، وأن "تجاوباً" مع الدافعية هذه قد جرى. غير أن النظام اللبناني، الأقوى من أي إشاعاتٍ، تربَّص بهذا القيل والقال، وأفشل المشي إليه، مدفوعاً بارتيابٍ متوطّنٍ في طرفٍ فيه، أي ما يتسمّى "الثنائي الشيعي"، والذي فعل ما فعل، عندما أشهر أن وزير المال إما أن يسمّيه هو ويكون شيعياً أو أن يبلّط الجميع البحر. ولم يصعُب على هذا الثنائي العثور على ما يلزمه من أسباب ارتيابه، سيّما وأن مجمّعاً مستجدّاً اسمُه رؤساء الحكومات السابقون هو من أخرج، بتفاهمٍ مرجّحٍ مع باريس، اسم مصطفى أديب رئيساً للحكومة المشتهاة، وسيّما أن الإدارة الأميركية وجدت في ماءٍ عكر قدّامها ما تصطاده. وهكذا صار الأنسب أن تبقى حكومة حسّان دياب لتصريف الأعمال إلى ما شاء الله. وقد تعايش لبنان غير مرّة، سنواتٍ، مع هذا الصنف من الحكومات.
الخلاصة الأوضح في شهور ما بعد الإنتفاضة الطموحة، وأسباب النقمة التي أشعلتها باقيةٌ وتتمدّد، أن ثمّة ما هو بنيويٌّ وصلدٌ في النظام السياسي اللبناني يحميه من السقوط، بل ويصونه من أي ارتجاجٍ مقلق. ذلك أنه نظامٌ قادرٌ على إبداع أزمةٍ وراء أزمةٍ، وعلى ابتكار عناوين لكل واحدةٍ، ففي مرّة ثمّة الثلث المعطل، وفي أخرى ثمّة وزارة المال، وفي ثالثة ثمّة التعيينات، إلخ. أما المطالب الإصلاحية، تغيير قانون الإنتخاب مثلاً، ففي المُستطاع التعاطي معها بالحربائية إياها، ولدى التكوينات السياسية اللبنانية محترفون في التشاطر في هذا وغيره. .. تخلخل النظام في الجزائر، وارتجّ، وتبدّلت وجوهٌ فيه وانصرفت أخرى، وحوكم فاسدون، وسُجن فاعلون وسياسيون من الوزن الثقيل فيه، واستجدّت نخبةٌ في الإدارة والسلطة فيه، وإنْ لم يتحقق بعد كثير مما أراده الحراك هناك. أما النظام في لبنان، فبسالتُه في صيانة نفسِه مكّنته من حماية أي اسمٍ فيه، عتيقٍ أو جديد، من المثول أمام أيّ محكمة، وجعلته قادراً على المراوغة أمام السخط الفادح بعد كارثة المرفأ، وأبقت أدواته في مكاسرة كل طرفٍ الطرف الآخر على حالها، فلم تتبدّل طرائق افتعال المنغّصات عند الحاجة إليها، ولا كيفيات استبدال حكومةٍ بأخرى، ولم تضعُف مناعة النظام ضد أي محاولة تجديدٍ أو تغيير، ولا ضد محاسبة أحدٍ فيه..

تُراه عقل العويط كان محقّاً، لمّا قال لنا إن في لبنان أقوى نظام في العالم؟