أسطورة نائل البرغوثي

30 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

تتحدّى سِير الأسرى في سجون المحتل الإسرائيلي قرائح أصحاب المخيّلات الشاسعة، من صنّاع الإبداعات الأدبية والفنية. يكفي أن تستعرض أعداد السنوات التي لم تنته بعد، ويقضيها كثيرون منهم في معتقلات الاحتجاز والاختطاف والاعتقال. ما الذي يثيره فيك مثلا أن تعرف أن كريم يونس، من قرية عارة المحتلة في 1948، أتم قبل شهور عامه الـ38 أسيرا، كما ابن عمه، ماهر يونس؟ ماذا يغشاك إذا ما قرأتَ أن سعدي الغرابلي استشهد الصيف الماضي، في عامه الـ26 في السجن الإسرائيلي؟ ما الذي في وُسع مخيّلتك أن تصل إليه إذا ما علمتَ أن أطفالا ولدتهم أمهاتهم في الأسر، وعاشوا معهن في السجون سنواتٍ وشهورا؟ ثمّة جهدٌ محمودٌ تؤدّيه هيئة شؤون الأسرى والمحرّرين في توفير بياناتٍ ومعلوماتٍ موثّقة عن أعداد الأسرى، وأحوالهم، ومدد محكومياتهم، وسنواتهم في السجون، ومن ذلك أن 225 قضوا في المعتقلات، منذ 1967، بالتعذيب والقتل العمد والإهمال الطبي (من شديد الإحراج أن ثلاثة أضعافهم قضوا في سجون عبد الفتاح السيسي في مصر منذ انقلاب 2013!). لا يوازي هذا الجهد المؤسّسي الطيب شغلٌ من لون آخر، يتعلق بتدوين سير هؤلاء الأبطال، وتوثيق آلامهم، وكتابة ما في حواشيهم وأخيلتهم ومداركهم، آمالا وأحلاما وأوجاعا، وكل ما مرّ في خواطرهم من نوبات ضعفٍ وجولات صمود. لم ينكتب إلا الشحيح في هذا كله، بشأن هؤلاء المتروكين لمعجزةٍ ما تنقذهم من تجبّر المحتل القاتل، وفي البال أن الرئيس محمود عباس وعد مرة بأن لا يتم توقيع اتفاق سلام نهائي من دون تبييض السجون الإسرائيلية من "معتقلينا الأبطال الذين هم مقاتلون من أجل الحرية".
أما أسطورة نائل البرغوثي (62 عاما) الذي أتمّ، قبل أيام، 41 عاما في الأسر (بينها نحو ثلاث سنوات أفرج فيها عنه) فحكايةٌ شرحُها يطول. فيها كل ما في سردية فلسطين من تفاصيل البطولة والصمود والإعجاز والفداء والملحمية، والمؤقت الطويل بتعبير محمود درويش. وفيها أيضا وأيضا ما يوجِز جوهر العدو الصهيوني الذي يجد في استضعاف الفلسطيني، الأعزل إلا من وجودِه على الأرض، استعراضا لتجبّره. قتل البرغوثي، في سن التاسعة عشرة، جنديا إسرائيليا، في أرضٍ فلسطينيةٍ محتلة، أي أنه كان يؤدّي فعلا مقاوما مشروعا، فلم يعتدِ على مدنيين، ولا أرهب ناسا آمنين. تمكّنت ما سمّيت صفقة شاليط في 2011 من إطلاق سراحه، غير أن المحتلين تتوطّن فيهم من أحقادٍ لا توصف، ويستحكمُ فيهم أن إيذاء فلسطينيٍّ جنديا في "جيش الدفاع" لا تستقيم معه ما يسمّونها عقوبة السجن المؤبد فقط، وإنما قهر إنسانية هذا الفلسطيني، ومحو آدميته، فأعادوا اختطاف نائل البرغوثي في العام 2014، مع 70 آخرين من رفاقه المحرّرين في الصفقة نفسها، في واحدة من لحظات الانكشاف الفلسطيني المعلوم (قتلوا سمير القنطار بعد سبع سنوات من إطلاقه). وبذلك، يصير جنرال الصبر والنضال، في واحدةٍ من صفاتٍ مستحقّةٍ خُلعت عليه، أقدم سجين سياسي في العالم، وليتجاوز، كما أكثر من ثلاثين فلسطينيا، أسطورة نيلسون مانديلا (27 عاما في السجن) الذي ما زال واحدةً من أيقونات العالم المناضلين من أجل الحرية. وفي البال أن للبرغوثي الذي أتقن الإنكليزية والعبرية في الأسر أخا أمضى زهاء 25 سنة متقطعة في سجون الاحتلال، وأن أسرته وأقاربه تعرّضوا لصنوفٍ مروّعة من التنكيل.
مرّ انقضاء 41 عاما على اختطاف نائل البرغوثي خبرا، قبل أيام، واستذكر فلسطينيون، وكذا مؤسساتٌ وطنيةٌ وحقوقيةٌ ناشطةٌ في شؤون الأسرى، معجزة هذا المناضل، وجاءوا على ما يُغالبه رفاقٌ له في زنازين موزعةٍ في غير مدينة وبلدة فلسطينية، على القائد مروان البرغوثي (19 عاما في الأسر)، وعلى أن 5400 أسير ينتظرون خلاصا، بينهم نحو مائتي طفل بالمناسبة (!). وبانَ أن مرور ذكرى اعتقال نائل البرغوثي كل عام مناسبةٌ يتجدّد فيها الانشغال الإعلامي بقضية الأسرى، تُضاف إلى يوم الأسير الذي يعبُر في إبريل/ نيسان كل عام. وهذا كله حسنٌ وطيب، غير أن أداءً خلاقا آخر، غائبا للأسف، يبقى مطلوبا وبإلحاح، أن تبقى قضية المختطفين عند المحتلين حيةً، على غير صعيد، سيما الإنساني العالمي، فلا تفترّ الهمّة في شأنهم، وكذلك أن يعمل صنّاع الدراما والسينما وأهل الأدب والفنون في إنجاز أعمالٍ إبداعيةٍ عن هؤلاء الغرّ الميامين، وأسطورة نائل البرغوثي تستحق انتباهةً كهذه.