أخيراً .. الجاني أمام محكمة الجنايات

أخيراً .. الجاني أمام محكمة الجنايات

23 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

في أول خطوة على طريق طويل وشاق، وبعد صبرٍ جميلٍ وانتظارٍ طال سنوات مفعمة بترقبٍ مديد، وخشيةٍ من وقوع المفاجآت، خطّت محكمة الجنايات الدولية، في التاسع من شهر مارس/ آذار الجاري، أولى خطواتها على الدرب المليء بالصعاب والعراقيل، بإصدارها إخطاراً أمهلت بموجبه حكومة إسرائيل شهراً للرد على طلب الشروع في التحقيق بالجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال في غزة عام 2014، والجرائم المرتكبة بحق المدنيين العزّل في مسيرات العودة، فضلاً عن جريمة الاستيطان المستمرّة على رؤوس الأشهاد منذ العام 1967.
تكتمت إسرائيل على هذا الطلب، وتغاضت عنه، لأمر معلوم، وسائل الإعلام الفلسطينية، المستغرقة تماماً في مسألة الانتخابات التشريعية التي لا تقل أهمية عما عداها من أخبار أخرى تتصدر المشهد السياسي الراهن في رام الله وغزّة. وإذا كانت خطوة محكمة الجنايات أولية، وذات مفعول تراكمي متدرّج وبطيء، فإن من المقدّر له أن يطول، بدوره، أعواما أخرى طويلة، تُرغم خلالها آخر دولة احتلال على أن تظل واقفة على "رجل ونص" في قفص الاتهام. ذلك أن هذه هي المرّة الأولى في تاريخ الصراع الذي دخل في أطوار كثيرة، على مدى نحو قرن، تتعرّض فيها دولة قامت بالحديد والنار، وارتكبت شتى المجازر والجرائم والانتهاكات، وبدت فوق القانون الدولي، لمساءلة من مرجعيةٍ قانونيةٍ دوليةٍ ذات شأن يعلو ولا يُعلى عليه، في سابقة هي الأخرى غير مسبوقة، تشكّل، في حد ذاتها، علامة فارقة في مسار كفاحي متعدّد الأشكال والأدوات، كان بلوغه، حتى الأمس القريب، من ضروب أحلام اليقظة، وهدفاً دونه خرط القتاد.
ويزيد من أهمية هذه المذكرة القانونية الملزمة التي لم ترد عليها إسرائيل بعد أنها تخص الدولة "الديمقراطية" المزعومة في الشرق الأوسط، أو قل الابنة المدلّلة للغرب، المنتسبة لمنظومته القيمية، وليس مجرّد دولة أفريقية من تلك الدول التي درجت كل من محكمة العدل ومحكمة الجنايات الدوليتين على معاقبة قادتها، بلا حرج، عن فظائع مماثلة، أو ربما أقل بشاعة، وهو أمر يذلّ الدولة العبرية أكثر فأكثر، ويهشّم ادّعاءها بلدا متحضرا، وملاذا أخيرا للناجين من الهولوكوست، وأيضاً ضحية أبدية، كما ترى في ملاحقة قادتها ومحاكمتهم أمام العدالة الدولية تقويضاً لتلك الصورة المغطّاة بمسحوق مكياج رخيص، تنثال ألوانه عند احتدام ضوء الشمس.
ولعل كل هذه الحفاوة المبرّرة تماماً بخطوة محكمة الجنايات المنتظرة بفارغ الصبر، وهذه البهجة النادرة في زمن كورونا، نابعة أساساً من أن هذه المذكرة القضائية فاتحة لما سيليها من إجراءاتٍ لاحقة، وخطوة تنفيذية أولى لا عودة عنها، حتى مع رحيل المدعية العامة الحالية فاتو بنسودا وحلول كريم أحمد خان مكانها بعد ثلاثة أشهر، كما أنها أيضاً خطوة عملية ملموسة، تكاد تشكل أمر عمليات استهلاليا، لإدارة عجلة المطاردة وتوقيف الجنرالات في المطارات، فوق أنها خطوة مؤسّسة على قرار المحكمة ذاتها، الصادر قبل نحو 50 يوماً، بانطباق اختصاصها القضائي على أراضي الدولة العضو في نظام روما الأساسي، دولة فلسطين (غزة والقدس والضفة الغربية)، وفي ذلك وحده إقرار مبدئي بحدود الدولة الفلسطينية.
حتى زمن غير بعيد، كانت الرواية الإسرائيلية تلقى قبولاً على أوسع نطاق، ليس فقط في الدول الغربية، وإنما أيضاً لدى الرأي العام في الدول الصديقة، كما كانت ماكينتها الإعلامية الهائلة تنجح، في أغلب الأحيان، بإحراز تفوّق كاسح على وجهة النظر العربية، مستفيدة من سوء الأداء، وتخلّف الطرح، ناهيك عن الاستغلال المكثف لركاكة الخطاب الإعلامي الفلسطيني ومزقه، والاستثمار الجيد في الأخطاء القاتلة، بما في ذلك خطف الطائرات وتفجير الحافلات، واستهداف المدنيين، الأمر الذي كاد يدمغ الكفاح الوطني العادل بصفة الإرهاب الذميمة. غير أن تحسّن الأداء وعقلنة الخطاب، فضلاً عن عدالة الحق الفلسطيني من جهة، وزيادة وحشية الاحتلال وصلف سياسة اليمين الصهيوني في عهد بنيامين نتنياهو من جهة ثانية، عملا معاً، من دون تنسيق، على كشف بواطن تلك الدعاية الزائفة، وإظهار الدولة العبرية على حقيقتها، دولة إرهاب منظم وتمييز عنصري، مثل جنوب أفريقيا السابقة، الأمر الذي ساهم في تمهيد الأرضية المناسبة، لعزل إسرائيل في مختلف المحافل الدولية، ومن ثمّة دفعها مدحورة مذمومة إلى قفص الاتهام، أخيراً، أمام محكمة الجنايات الدولية.

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي