أحمد طنطاوي ورفاقه ..

02 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

في مقطع مصوّر ظهر البرلماني المعارض السابق، أحمد طنطاوي، ليقدم لجمهوره سرداً مطولاً عن أسباب قراره الانضمام لحزب سياسي لم يسمه. المدهش أن خطابا بهذا الطول (40 دقيقة)، وبهذا الموضوع غير الشعبي، تتجاوز مشاهداته نحو المليون ونصف. 

قدّم طنطاوي خطابا سياسيا رفيع المستوى، يجمع بين العمق والبساطة، خطابا هادئا، بعيداً عن الخطابية، يوزع الابتسامات والنظرات. وبخلاف خطاب معارض معتاد، يغرق في الشكوى من سلبيات الوضع القائم، يركز طنطاوي على بث الأمل. لم يستغرق إلا دقائق معدودة لحديثٍ مقتضبٍ عن تزوير انتخابات دائرته، وأنه سيواصل المسار القضائي، بينما خصّص المساحة الأكبر للحديث بصيغة الجماعة عن "مشروعنا"، ووجوب استكماله عبر عمل منظم. لا عجب أن معلقين عديدين وصفوا هذا الخطاب بأنه "رئاسي".

سرعان ما تم الإعلان عن انتخاب طنطاوي رئيساً لحزب تيار الكرامة، في مشهد شديد الكلاسيكية الناصرية، حيث تملأ جدران القاعدة صور الرئيس الراحل، جمال عبد الناصر، وأقواله، ولافتات تحمل علم فلسطين وشعارات ضد التطبيع. وفي مسار مواز، كان النائب السابق هيثم الحريري يعلن انضمامه لحزب التحالف الشعبي، وسرعان ما تم تصعيده إلى عضوية المكتب السياسي، وسبقهما النائب البارز محمد فؤاد في الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي. 

يمثل الثلاثي صفوة ما أنتجته المعارضة المصرية في السنوات الأخيرة، وأملاً في تجديد الروح بثلاثة من التيارات السياسية المصرية الرئيسية. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن ثلاثتهم أبناء العمل الحزبي لا دخلاء عليه، فمحمد فؤاد ابن أسرة وفدية عريقة، وهيثم الحريري نجل المناضل الراحل أبوالعز الحريري أحد مؤسسي حزب التحالف، أما طنطاوي فقد كان قبل الثورة أميناً لحزب تيار الكرامة في مدينته قلين بكفر الشيخ. وبعد الثورة، صعد إلى عضوية المكتب السياسي ثم الهيئة العليا، إلى أن استقال عام 2014.

تعرف الدوائر السياسية المصرية أن سبب استقالته كان رفضه ترشّح حمدين صبّاحي في أول انتخابات رئاسية أمام عبد الفتاح السيسي، لذلك مثل مشهد تسليم رئاسة الحزب وتسلمه نموذجاً غير معتاد بين المختلفين سياسيا، لم يتبادلوا عبارات التخوين، بل وصلنا إلى مشهد احتفاء صباحي بفوز طنطاوي، وقال إنه وجيله "سلموا الراية مرفوعة" لجيل تالٍ.

لا تخلو السياسة المصرية من سياسيين ناضجين وشجعان، إلا أن ثلاثتهم يمتازون بتحولهم إلى رموز شعبية يعرفها ملايين المصريين، وفي الوقت نفسه، لم يكونوا متورّطين فاعلين في التقلبات السياسية الماضية، ما أبعدهم عن الاستقطاب الحادّ، كما أنهم أبعد ما يكونون عن خطابات شعبوية معارضة تطرح حلولا خيالية للمشكلات المصرية، أو تمجد الثائر الحر المتطهر من السياسة. 

وكان أداؤهم البرلماني فرزاً مهماً للانحيازات السياسية والاجتماعية أيضا. ومن المفارقات أن حزب الوفد (الليبرالي) قرّر فصل محمد فؤاد بعد أزمة سببها تبرؤ الحزب من مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي قدّمه. وكانت أزمة قانون العمل الأهلي كاشفة بدورها، حيث انحاز نوابٌ "معارضون" آخرون لرواية الدولة، عن مؤامرة التمويل الأجنبي.

طرح بعضهم مزايدات حول سبب ترك السلطات المصرية لهم، ومن المثير للسخرية تكرار أن النظام الحالي ليس نظام حسني مبارك، وهو لا يرغب بأي معارضة لا ديكورية ولا جزئية. قد يتسع الهامش بفعل موازنات داخلية أو خارجية، لكن يبقى الواقع، وهو أن صعود الثلاثي، في جزء منه، جاء لملء فراغ خلفته الضربات الأمنية القاسية ضد الكوادر الحزبية بجيل سابق. في خطاب فوزه، أشار طنطاوي إلى عضو المكتب السياسي لحزب تيار الكرامة، والسجين منذ عام ونصف، حسام مؤنس. وبالمثل، يشدد فؤاد على أولوية إطلاق سراح عضو الهيئة العليا للحزب، زياد العليمي. بينما كان هيثم الحريري عضوا مؤسسا في حزب الدستور، والذي قدّم رئيسه السابق، خالد داود، سجيناً بدوره، وانضم إلى التحالف الشعبي، الذي يقبع حاليا نائب رئيسه، عبد الناصر إسماعيل، في السجن، والقائمة تطول!

لا تغيرات درامية منتظرة، وسيناريو دعم مرشّحين لانتخابات المحليات الذي قدّمه طنطاوي يمثل بناء للمدى الطويل، لكن حالة الثلاثي مثّلت تجنّباً لأحد أبرز المخاطر التي واجهتها التيارات المعارضة المصرية، وهو انقطاع التواصل الجيلي بفعل القصف الأمني. أما مدى إمكانية مواصلة هذا المسار فهو سؤال تجيبه تقلبات الأوضاع الداخلية والخارجية في المرحلة المقبلة.