عندما يتبادل أمير مكة الأحاديث الودّية مع السفير الفرنسي

29 أكتوبر 2020
الصورة

حديث ودي بين أمير مكة خالد الفيصل والسفير الفرنسي لودوفيك بوي

+ الخط -

لا شيء يفسّر أزمة الرسوم المسيئة مثل استقبال أمير مكة، مدينة محمد عليه الصلاة والسلام، خالد الفيصل، السفير الفرنسي في بلده، وحسب وكالة الأنباء السعودية، تبادل معه "الأحاديث الودية"، فليس مطلوبا إعلان الحرب على فرنسا، ولا قطع العلاقات معها. المطلوب أقل من ذلك بكثير، ولو فعلته السعودية لانتزعت مكانتها خادمة للحرمين وقائدة للعالم الإسلامي. لكن موقفها بدا، بسبب تبيعتها للإمارات في عداء تركيا والتيارات الإسلامية، أقرب إلى اليمين المتطرّف والإسلاموفوبيا، وهو ما وضعها في موقفٍ مخزٍ اضطرّها إلى إصدار بيان لاحق عن مصدر في وزارة الخارجية. وموضوعٌ كهذا ينشغل فيه رؤساء دول كان من المفروض أن يتحدّث فيه الملك سلمان أو ولي عهده، لكنهما تركا هذه المهمة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي بات يُنظر إليه زعيما للعالم الإسلامي. 

المطلوب حديث صارم غير ودّي، وإجراءات قاسية بحق الحكومة الفرنسية، وتحت مظلة جامعة الدول العربية (للتذكير النبي عليه السلام عربي)، ومنظمة المؤتمر الإسلامي. القضية لا علاقة لها برسام سخيف وحرية التعبير، لها علاقة بتبنّي الرئيس الفرنسي هذه السخرية والسفاهة رسميا. لنتخيّل أن رئيسا عربيا يطلب من المؤسسات الرسمية إحراق العلم الفرنسي لأن متظاهرين فعلوا ذلك؟ لا يستطيع ماكرون ولا أي رئيس دولة غربية منع الإساءة لله ورسله، ولكن أن يجعل الإساءة للأنبياء خطابا رسميا للدولة فهذا غير مسبوق من أي رئيس دولة.

في خطابه الاستعلائي، وتغريدته من بعد، لم يقل كلمة نحترم الإسلام، وعمليا كان يقول نحتقر الإسلام. على ماكرون أن يدفع الثمن، وبلاده كذلك. ومقاطعة البضائع الفرنسية ضربة موجعة، وهي مجرّد بداية، وأكثر ما يوجع فيها أنها سلمية وحضارية، ومؤلمة. مهم أن تصل الرسالة "نحن نحتقر ماكرون" لأنه يحتقرنا، ونردّ الإساءة بمثلها ولسنا أمة بلا كرامة. في المقابل، لا يُقبل أن تتسع المعركة بحيث تكون ضد فرنسا، بكل ما تمثله من تاريخ وحضارة وثقافة، أو ضد الغرب والمسيحية. 

توسيع المعركة يخدم ماكرون وأجندة المتطرّفين والصهاينة. لدى المسلمين مشكلة مع الغرب ومع فرنسا، وليس مشكلة محدودة مع سياسي تافه ومحدود. لفرنسا ماض استعماري بغيض، صحيح. وليُفتح هذا الملف، وتُطالب فرنسا بالاعتذار والتعويض، لكننا لسنا بصدد إحياء الحروب الصليبية، ولا نعيد إنتاج فكر "داعش" بفتح معركة مع العالم كله. 

في هذه المعركة المحتدمة يتحلى المسلمون بشجاعة الفرسان وأخلاقهم. فرنسا أمة عظيمة، وقد تكون حليفا عظيما، فالثورة الفرنسية لا تزال ملهمة لشعوب العالم، وما قدّمته من فنون وثقافة وفكر ومعمار كنوز للبشرية وليس لفرنسا وحدها. فرنسا سحرت الشيخ رفاعة الطهطاوي، إمام البعثة المصرية الذي عاد وألف كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، تماما كعميد الأدب العربي طه حسين، وآلافا غيرهما من العرب والمسلمين الذين درسوا في جامعاتها، ونهلوا من معارفها. 

على المواطن الفرنسي أن يعرف أن المسلمين لا يقاطعونه بسبب حرية التعبير، بل بسبب وقاحة زعيمه، وعدم احترامه لهم. علينا أن نفهم عقلية الفرنسي العادي، ونبني معه تحالفا ضد حكومته، لا أن نصنع منه عدوا يحالف حكومته. ما حصل ليس بسيطا، واستغله ماكرون أسوأ استغلال. 

علينا أن نفهم ما جرى، ونفهم الثقافة الفرنسية، فتلك الثقافة ولدت من رحم الصراع مع الكنيسة بخاصة، والمقدّس بعامة. وهي تسخر من كل المقدسات، وليس المقدّسات الإسلامية فحسب، وهذه ثقافة غربية عامة. فلا تستغرب أن تقرأ في "الغارديان" البريطانية مقالا يشكك بوجود شخصية المسيح عليه السلام. المستغرب والمرفوض أن يخرج مسؤول رسمي يقول لا وجود لشخص المسيح، ويطلب تعميم ذلك على كل مؤسسات الدولة. هذا ما فعله التافه ماكرون. 

الرسالة التي يجب أن تصل من خلال الأزمة: نحن أمة تحترم ذاتها، تحترم الأمم الأخرى عامة، والأمة الفرنسية بخاصة. وهذا لا يصل من خلال الأحاديث الودّية. لقد أفسد ماكرون الود في ازدرائه لنا، وكما يرانا نراه.