"لمّا بنتولد" فيلم الأسئلة المفتوحة

28 سبتمبر 2020
الصورة

ملصق فيلم "لما بنتولد" (headtopics.com)

يقدّم الفيلم المتميز، "لمّا بنتولد" (إنتاج 2019)، من إخراج تامر عزت، وسيناريو وحوار نادين شمس، وتمثيل نخبة من الممثلين الشباب، ثلاث قصص، تبدو للوهلة الأولى منفصلة، غير أن المتابع سرعان ما يكتشف أن ثمّة خيطا رفيعا يضم هذه القصص، يكاد يكون لامرئيا، يتمثل في وحدة المكان والزمان وتقاطع الأوجاع والمخاوف. تنقل المخرج بين القصص بخفةٍ ورشاقة، متخليا عن الشكل التقليدي في السرد، مستعينا بأغنياتٍ حديثة عميقة جادّة، حافلة بالتأمل والحيرة، وسيلة جمالية لتقطيع المشاهد. تروي القصة الأولى حكاية شاب مصري معدم، يعمل مدربا رياضيا في نادٍ يرتاده أثرياء بمرتّب ضئيل غير ثابت، عاجز عن توفير احتياجات حياته الأساسية. يحلم ببيت مستقل، يسكنه وزوجته المضطرة مشاركة عائلة زوجها بيتهم الصغير المكتظ، تعمل في صالون تجميل، وتستجيب مستسلمة لرغبة زوجها بعدم الذهاب لتجميل الزبونات في بيوتهن حفاظا على كرامتها، لكنه يرضخ، في نهاية الأمر، لضغوط هائلة. ويبدأ في ممارسة عمله، يقدم الخدمات الجنسية للثريات المحرومات في مقابل مبالغ طائلة تتدفّق عليه، وتمكنه من إعالة أسرته وتحقيق حلم زوجته، حين يؤمّن ثمن الشقة المشتهاة. وفي لقطةٍ بالغة الذكاء، وبعد صراع كبير مع الذات، يعبّر عن إحساسه بالغضب والقهر والمهانة، حين يساعد، في مشهد صغير، فتاة مومسا، تتعرّض للإهانة في الشارع من أحد زبائنها، فينهال عليه بالضرب المبرّح حتى يكاد يقتله، ثم يعود إلى بيته مضرّجا بالدماء، معترفا لزوجته بسقوطه الأخلاقي والإنساني.
تتناول القصة الثانية قصة حب رقيقة لشاب وفتاة، يقعان في الغرام، على الرغم من اختلاف ديانتيهما. الشاب نموذج للشخص الواثق من نفسه، المتجاوز للتقاليد والأعراف، المتمسّك بالحب، باعتباره الحقيقة الأهم في الحياة. والفتاه المسيحية المتديّنة المذعورة من غضب الرب ومقاطعة العائلة، لكن العاشقة فتاها حتى أخمص الروح، المتردّدة في اتخاذ قرار الزواج المصيري، والذي سوف تترتب عليه تبعاتٌ تظن أن لا قدرة على مواجهتها.
القصة الثالثة عن فنانٍ شاب، ينتمي إلى عائلة ثرية، تمتلك مصانع وشركات، لكن شغفه الحقيقي في الموسيقى. يشتبك مع والده الذي يحاول ثنيه عن التورّط في عالم الفن، إنقاذا لمصلحة العائلة. يصاب الشاب بالارتباك والحيرة، حين يعلم أن والده قد شخص بمرض الزهايمر، وأن إنقاذ ثروة العائلة منوط به، وبتخليه عن فرصة السفر إلى إنكلترا، والعمل مع فرقة موسيقية عالمية.
المختلف والذكي والجميل في طريقة عرض القصص الثلاث في اختيار كاتبة النص والمخرج النهايات المفتوحة حلا دراميا، فظلت كل قصة مفتوحةً على أكثر من احتمال. هل تغفر الزوجة لرجلها الذي تحب على الرغم من عمق انحطاطه أم أنها ترفضه وترحل، بعد أن دمر حياتهما معا؟ هل تستجيب الصبية العاشقة لإلحاح حبيبها، وتضرب عرض الحائط بقناعاتها الدينية، وتغامر بغضب الكنيسة والعائلة، أم تعود أدراجها إلى الكنيسة تشعل الشموع، وترتل الصلوات وتبكي حبها الضائع؟ هل يضحّي الفنان الموهوب بحلمه، ويتخلّى عن شغفه بالموسيقى، من أجل مستقبل العائلة والإعتناء بوالده المريض، أم تغلب الأنانية على مشاعر الانتماء والحب للوالد الحنون؟
تعمّد الفيلم أن لا يقدّم إجاباتٍ حاسمة قطعية، وترك الأمر معلقا، فجعل المشاهد شريكا ومتحكّما في تقرير النهاية التي تروق له، وتتناسب مع مواقفه ورؤاه ومبادئه. وهنا بالضبط خصوصية هذا الفيلم المتميز، من حيث النص والإخراج، وكل عناصر الفيلم من موسيقى وحوار وتصوير، المشغول ببراعة وبساطة وواقعية ليست خشنة، بل حقيقية، بمقدار ملامستها هواجس الشباب وأحلامهم وطموحاتهم في عالمٍ ليس رحيما بهم، يفرض عليهم تحدّيات صعبة، ويضعهم أمام خيارات أحلاها مرّ.
"لمّا بنتولد" فيلم مصري من إبداع شابات وشباب جاد وملتزم، غير تقليدي، يبشر بنهضة في صناعة السينما العربية. ولذلك يستحق الاحتفال والتقدير والانتباه في غمرة الرداءة التي كادت تطغى على كل شيء.