"عصا" عُمانية مع صباح فخري

"عصا" عُمانية مع صباح فخري

15 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

خلال زيارة الفنان السوري، صباح فخري، الراحل أخيرا، عُمان في العام 2000، وشّحه السطان قابوس، رحمه الله، بوسام، تقديرا لعطائه الفني الطويل، وتقديرا، على الخصوص، لنوعية غنائه، وهو الطرب الأصيل الذي يمتح كلماته من أهمّ رموز الشعر العربي الخالد، المتنبي وأبي نواس وأبي فراس الحمداني وابن الفارض وبهاء الدين الرواس ولسان الدين الخطيب وغيرهم. وكان ضمن ما حمله معه فخري عائدا عصا تقليدية عُمانية.
وقد خصّص الإعلامي، سليمان المعمري، أخيرا، حلقة من برنامجه "نوافذ ثقافية" للفنان الأصيل، وكان من أبرز من استضافهم صديق لصباح فخري، هو نزار العاني. أطلعَنا عن أسرار وكواليس عن الفنان الراحل، منها أنه كان ذا نشأة دينية تقليدية، كما كان، في إحدى محطّات حياته، مؤذنا في المساجد. وفي الحقيقة، ليس هذا غريبا إذا عرفنا أن حلقات الذكر في مصر وسورية كانت تزخر بأصحاب الأصوات الجميلة، وأن الحدود كانت ممتدة بين الفن والطرب الأصيل. ومعلوم أن مطربين كثيرين تخرّجوا من الزوايا والجوامع. بل ومطربات أيضا. ويمكن هنا استحضار أيقونتين من ريبيرتوار الأغنية العربية الأصيلة في شخص الراحلة أم كلثوم والمتفرّدة فيروز، والدور التي لعبته دور العبادة والذكر في حياة كلٍّ منهما، بغضّ النظر عن اختلاف ديانتيهما بين الإسلام والمسيحية.. ومرّة، التقيت بالفنان المغربي، عبد الوهاب الدكالي، وأذكر أنه تحدّث، هو الآخر، عن نشأته في أجواء دينية في فاس. وشدّد صاحب "مرسول الحبّ" و"كان يا ما كان" و"سوق البشرية" وغيرها من الروائع على أن نشأته في تلك البيئة الدينية أسهمت في صقل صوته، إذ كان والده إماما ومرتّلا للقرآن، وقد أورثه هذه الموهبة في بدايات حياته.
وشارك في حلقة سليمان المعمري أيضا الملحن وعازف القانون أمين الخياط. قال نزار العاني، ضمن ما قال، إن صباح فخري حمل معه من عُمان عصا عُمانية، وظلت ترافقه في أيامه الأخيرة، وقد أورثها لابنه.. وتحظى العصا العُمانية بخصوصيتها، وتتميز بين "العصي" العربية بهيكلها الرفيع. لم تكن دوما تُستخدم من باب إظهار الوجاهة فقط، وإنما اعتاد الناس في القرى القبض عليها خلال المشي، اتقاءَ للهوام ووعثاء الطريق، خصوصا في الظلام. لكنها ظلت رفيقة الإنسان حتى في النهار، فهو لا بد أن يحتاجها في أمر ما. ثم في ظل زحف موجة التمدّن، صارت العصا العُمانية لا تُحمَل إلا في المناسبات، خصوصا في مجالس العزاء. كما يحملها العريس في يوم زفافه، إلى جانب أدوات وأكسسوارات أخرى من الزّينة التراثية، مثل الخنجر والعباءة، وطبعا العمّة أو المصر، بمختلف ألوانه.
حمل صباح فخري معه هذه العصا من عُمان ورافقته حتى وفاته، توكأ عليها، وربما "هشّ" بها وهو يؤدي إحدى روائعه في جلساتٍ خاصة، حيث إنه، كما قال العاني، كان يرفض أن يسجل هذه الجلسات. ربما كانت العصا العُمانية في يده برقصته الشبابية المتفرّدة التي كرّسته في ذاكرتنا الجماعية وأفئدتنا العاشقة لإبداعه فناناً لا يشيخ.
فارقَنا الفنان الذي قضى أكثر من خمسين عاما في الغناء الأصيل، شاديا بأكثر كلمات الفصحى أصالة وبلاغة ورقّة، وقد خلًف فراغا هائلا في هذا الجانب يصعب تعويضه، فقد كان طوال رحلته الغنائية يوصل الكلمة إلى مرتقى الابتهالات. كان يغني وكأنه يبتهل، بصوته الصافي ونفَسه الطويل وقدرته الرّهيبة على تكرار المقاطع من دون أن يملّ منه السامع، ما أدخله موسوعة غينيس للأرقام القياسية، بعدما استطاع الاستمرار في الغناء، في حفلة بكاراكاس، قرابة تسع ساعات متواصلة.
فارقَنا صباح فخري تاركا لنا تراثا هائلا أساسُه كلمات راقية تذكّرنا بمجد الشعر العربي. كان في الحقيقة منشدا لهذا الشعر، ولم يفارق حلقات الذكر والمساجد إلا ليرتقي بهذا الشعر إلى مكانته التي تستحق. مناضل آخر بالكلمة والأصالة من جيل المبدعين الرواد يترجّل عن صهوة الحياة والفنّ في زمن تشهد فيه الكلمة الغنائية هبوطا وميوعة مُثيرَين ومريعَين. وأتذكر هنا أن المنفلوطي وقّع، في كتابه "النظرات والعبرات"، مقالا مستفيضا عن الغناء العربي القديم، خرج لنا منه بنظرية أن سبب تقهقر الغناء تقهقر الكلمة وضعف الشّعر، وأورد أمثلة ونماذج مهمّة في هذا.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي