"حماس" والنقد التقدّمي

"حماس" والنقد التقدّمي

02 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

يمكن إجمال النقد الموجه إلى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في تيارين أساسيين؛ ليبرالي في المرتبة الأولى، ويساري في الثانية. يأخذان على "حماس" ما يعتبرانه "رجعيتها" لا سيما في القضايا الاجتماعية، و"انقلابها" على الشرعية، وجدوى مقاومتها، فضلاً عن موقع هذه المقاومة من النضال الفلسطيني المديد. سوف نحاول هنا فحص هذه النقود.

مفيدٌ هنا الرجوع بالذاكرة ربع قرن. عارضت "حماس" اتفاق أوسلو، لكنّها لم تعرقله. وعندما صار مقاتلون وموظفون في منظمة التحرير يتقاطرون إلى فلسطين بموجب الاتفاق عام 1993، وبدأوا "الحكم" في أجزاء "تنازلت" إسرائيل عنها في الضفة الغربية وقطاع غزة، شرعوا في تأسيس "الدولة" الفلسطينية "الموعودة"، من غير أن يبدو أنّ "حماس" مكترثة بالأمر كله، فالجو العام وقتها كان مفعماً بالتفاؤل والأمل.

في الأثناء، كانت تجري حملات لمصادرة السلاح الخفيف الذي تملكه الحركة، بتشجيع من إسرائيل وأميركا. في السنة التالية، وتحديداً في شتاء 1994، أي قبل أن يجفّ حبر اتفاق أوسلو، ارتكب المتطرف اليهودي، باروخ غولدشتاين، مذبحة في الحرم الإبراهيمي في الخليل، أسفرت عن مقتل 29 مصلياً وجرح نحو 150. وعلى أثر المذبحة، شنّت "حماس" سلسلة من العمليات الفدائية في العمق الإسرائيلي. في السنة التالية، نوفمبر/ تشرين الثاني 1995، اغتال متطرّف يهودي آخر، هو إيغال عمير، رئيس الوزراء الإسرائيلي، إسحق رابين، عقاباً له على تفريطه بيهودا والسامرة. غداة حلول شيمون بيريز محل رابين، ازداد القمع الفلسطيني لحركة "حماس" بضغط إسرائيلي وأميركي، تحت طائلة التهديد بالتضييق على السلطة الفلسطينية وقطع المساعدات عنها.

نقد تقدّمي غارق في النظريات والمصطلحات يخترع واقعاً يكاد يكون ميتافيزيقياً

وإذ تركت للسلطة مهمة القمع الناعم لـ"حماس" أي مصادرة السلاح والاعتقالات والطرد من المجال العام، تولّت إسرائيل الانقضاض الشرس والمنهجي على الحركة، وفي القلب من ذلك تعميم سياسة الاغتيالات التي بلغت ذروتها مع اغتيال قائد كتائب "القسام" في الضفة الغربية، يحيى عيّاش، مطلع 1996. وعلى أثرها، شنّت الحركة عمليات تفجيرية كبيرة في إسرائيل. وفي مايو/ أيار من العام نفسه، شكّل نتنياهو حكومته الأولى، ودخلت "عملية السلام" في الثلاجة.

غير أنّ ذلك كلّه لم يؤدِّ إلى تعميق رغبة الحركة الإسلامية في إطاحة "أوسلو" بل إنّ ما حصل هو العكس، فقد ازدادت الحركة مرونة وتصالحاً مع الواقع الجديد، لا سيما بعد خروج زعيمها ومؤسسها، الشيخ أحمد ياسين، من المعتقل الإسرائيلي، إثر صفقة بين الأردن وإسرائيل، بعدما حاولت الأخيرة اغتيال رئيس المكتب السياسي للحركة، خالد مشعل، بالسمّ في عمّان. في هذه المدة، شرعت "حماس" بالتقرب من السلطة الفلسطينية، وأظهرت بوادر للعمل معها، أي تحت سقف "أوسلو". وتمثّل ذلك في مشاركة الشيخ أحمد ياسين في مداولات المجلس التشريعي بصفة مراقب. ثم اندلعت انتفاضة الأقصى (2000).

أخذت براغماتية "حماس" بالتصاعد حتى وصلنا إلى عام 2006، عام الانتخابات التشريعية التي فازت فيها الحركة بأغلبية المقاعد. هذه النقطة بالذات، هي إعلان مدوٍّ من "حماس" بأنها قبلت اتفاق أوسلو، فالانتخابات المذكورة هي ابنة شرعية له. ومع أنّ فوز الحركة لا يعني تفرّدها بالحكم، وأنّ الحكومة التي شكلتها وترأستها كانت حكومة وحدة وطنية بالتشارك مع "فتح" وأنّ النظام الانتخابي مختلط، رئاسي - برلماني، إلاّ أنّ ذلك لم يرُق للسلطة الفلسطينية ورعاتها الإقليميين، وقبل ذلك لم يرُق لإسرائيل وأميركا، فعرقلت السلطة الفلسطينية، بإيعاز من الأطراف المعلومة، الانتقال السلمي، داخلياً وخارجياً، للحكومة الجديدة. وبدا أنّ الحكومة "الحمساوية" مجرّد ديكور وبلا سلطة فعلية. حتى إذا وصلنا إلى صيف 2007، حسمت "حماس" الصراع عسكرياً مع "فتح" وسيطرت على قطاع غزة، ثم كان الانقسام.

إذ تركت للسلطة مهمة القمع الناعم لـ"حماس" أي مصادرة السلاح والاعتقالات والطرد من المجال العام، تولّت إسرائيل الانقضاض الشرس والمنهجي على الحركة

في كلّ ما سبق، نلاحظ متوالية متسقة لا نبوّ فيها، هي أنّ كلّ تصرفات "حماس" كانت ردود فعل على أفعال فلسطينية "فتحاوية" وإسرائيلية... أما مسألة رجعية الحركة، فلا جدال فيها. لكن في الوقت نفسه، قد يكون مفيداً وضعها في سياق عربي وعالمي أعرض. ذلك أنّ "حماس" وُلدت عام 1987، حين كان الاتحاد السوفييتي في نزعه الأخير، وما أفضى إليه ذلك من أفول للحركات اليسارية، وبالتزامن مع صعود الصحوة الإسلامية في المنطقة العربية، ناهيك عن انهيار المشروع القومي العربي مع غزو العراق الكويت عام 1990، فكان لا بدّ إذاً، أن تظهر حركات وتنظيمات من خارج الطيف اليساري العلماني تملأ الفراغ الشاسع، وتمتلك أيديولوجيا أكثر راديكاليةً من حركات الطيف المذكور، وتمتلك، وهذا هو الأهم، مقاتلين لديهم استعداد هائل للتضحية، أي إنّ ظهور الحركات الإسلامية كان جزءاً من واقعٍ لا يمكن القفز عنه.

أما السياق الإسرائيلي الداخلي، فكان مكمّلاً للسياقين أعلاه، ذلك أنّ إسرائيل نفسها شرعت تميل يميناً، ابتداء من 1986 إلى 1992، حين استحوذت حكومة الليكود على الحكم طيلة هذه السنوات. وقوبلت هذه النزعة إلى اليمين بنزعة فلسطينية من الصنف نفسه، تمثّلت في نشوء حركة "حماس".

في ضوء هذه الوقائع، وبالنظر إلى طبيعة المشروع الصهيوني، شديد الفرادة في تأسيسه وتكوينه وجوهره وخرافاته وتسليحه، والقوى الدولية التي تقف خلفه، يبدو الكلام عن رجعية "حماس" ضرباً من جدل أهل بيزنطة عن جنس الملائكة وحجم إبليس، فيما جيوش محمد الفاتح على عتبات القسطنطينية. غني عن الذكر أنّ هذه ليست محاولة لنفي هذه الرجعية بقدر الحاجة إلى فهم ملابساتها وسياقاتها.

من جهة ثانية، يبدو الكلام عن تلك الرجعية منحولاً من بقايا الجدل الذي دار في أعقاب الربيع العربي، وأسال فيه مثقفون حبراً غزيراً بشأن مدنية الدولة ومرجعيتها، علمانية أم إسلامية، فيما كانت القوى العميقة والعتيقة تشتغل مادياً على الأرض، استعداداً للانقضاض على كلّ شيء. وفي الكلام المذكور إسقاط أيضاً من واقع الدول المحيطة بفلسطين، لا سيما التجارب المريرة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وحزب الله، على الواقع الفلسطيني المختلف كلياً، والخالي، وهذا هو الأهم، من الحالة الطائفية. وإلى هذا، ربما يجدر الانتباه إلى أنّ "حماس" ليست جسماً غريباً هبط على فلسطين من اللا مكان، فما من حركة يمكن أن تعيش كلّ هذا الوقت وتقوى وتزداد جماهيرية ثلث قرن، ما لم تكن لها حاضنة اجتماعية، مستعدة لدفع أثمان باهظة لقاء ما تعدها به تلك الحركة.

في واقع فلسطيني هذا شأنه، تحت احتلالٍ شديد الفرادة، يغدو سؤال التقدّم عسير الإجابة

كذلك، يُلاحظ أنّ النقد التقدّمي الوارد ذكره لا يكاد يظهر له أثر في تقارير جهاز الشاباك الإسرائيلي أو مقالات الصحف العبرية حين يجري الحديث عن "حماس"، أو حتى في حركة التضامن العالمية مع الشعب الفلسطيني، فكأنّ إسرائيل وأجهزة استخباراتها فاتها ما لا ينفك النقد إياه يشدّد عليه. ولا مفرّ هنا من ملاحظة هذه المفارقة الحادة: نقد تقدّمي غارق في النظريات والمصطلحات يخترع واقعا يكاد يكون ميتافيزيقياً، يأخذ على حركة براغماتية ذات قوام شديد المادية، رجعيتها، فقط لأنّ لها مرجعية دينية.

السؤال الأكثر وجاهة الذي يطرحه النقد التقدّمي: ما الفائدة من حركة مقاومة تحرّر وطناً من مشروع عنصري استيطاني، لتقيم مكانه مشروعاً سلطوياً رجعياً؟ هذا سؤال افتراضي، ذلك أنّ لا أحد يستطيع التنبؤ بالمستقبل، أو يعرف المآلات التي ستؤول إليها فلسطين بعد التحرير، لكنّ ثمّة إجابة من تجارب التاريخ، فمعلومٌ أنّ الثورة الروسية (1917) حملت مشروعاً هو الأكثر تقدّمية في التاريخ، ومعلومٌ كذلك أنّ الثورة الكوبية استقت أيديولوجيتها من المشروع نفسه، بل تجاوزته، إذ بلغت الطوبى الاشتراكية المتمثلة في المساواة بين العملين اليدوي والذهني. أما المصير السوفييتي فكان صروحاً متطاولة من الظلم في معسكرات الغولاغ، وجبالاً من الجماجم وأنهاراً من الدماء، فيما المصير الكوبي دولة وراثية استبدادية في جزيرة معزولة وجائعة. بإزاء ذلك ثمة تجربتا الثورتين، الفرنسية والأميركية، لم تكونا تقدّميتين بالمعنى الذي كانته الروسية والكوبية، فالنساء، مثلاً، لم يُمنحن حق التصويت في فرنسا الثورة. والثورة الأميركية أيضاً حافظت على الوضع الذي كان قائماً في أثناء الاحتلال البريطاني، لا سيما العبودية. لكنّ الثورتين الفرنسية والأميركية، تأسستا على ما هو أهم من التقدّمية، أي الديمقراطية.

ما يراد الوصول إليه هنا أنّ الديمقراطية تقود إلى التقدمية، والعكس غير صحيح. ولمّا كانت "حماس" تؤمن باللعبة الديمقراطية، على المستويين الوطني والداخلي (تعقد انتخابات داخلية دورية، وقادتها منتخبون) جاز الرهان على هذا الإيمان بالديمقراطية سبيلاً إلى عقلنةٍ وتقدّم إلى الأمام، وإن بعد حين. وفي الأحوال كافّة، الأفكار لا تغيّر الواقع. الثاني سابقٌ على الأولى. فالتغيير يبدأ مع تحولاتٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ وتفاعلاتٍ على الأرض، على ما تعلّمنا الماركسية. وفي واقع فلسطيني هذا شأنه، تحت احتلالٍ شديد الفرادة، يغدو سؤال التقدّم عسير الإجابة، من غير أن يعني ذلك السكوت عن أيّ نزعاتٍ رجعية، لكن في الوقت نفسه تقديم التحرير على كلّ ما عداه.

أمسى موقع "حماس" في النضال الوطني الفلسطيني، على ما دلّت إشاراتٌ لا تحصى، في الأسبوعين الأخيرين على الأقل، في القلب من ذلك النضال، ويسعى في لمّ شمل الفلسطينيين

يبقى سؤال الجدوى من مقاومة "حماس". لا نستطيع الادعاء أنّ "حماس" أنجزت أكثر مما أنجزت حركة "فتح" لكن يمكننا القول إنّ الفرق الجوهري بين مشروعيهما أنّ مشروع "حماس" يندرج في مسارٍ سارت فيه كلّ حركات التحرر. ومع ذلك، يمكن الإشارة إلى نتائج ملموسة لمشروع المقاومة في فلسطين، أهمها رسم حدود جديدة للردع بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وإذا أخذنا حرب الأحد عشر يوماً، أخيراً، نموذجاً على معادلة الردع هذه، وجدنا أنّ عدد الضحايا الفلسطينيين أقل بكثير من ضحايا حرب 2014، حتى مع تعديل النسب مع المدة للحربين. هذا ناهيك عن منع الغزو البرّي، خشية وقوع خسائر كبيرة، لا سيما سقوط جنود في الأسر، على ما حصل في حرب 2014. هنا نقع للمرّة الأولى على واقع جديد، أنّ هناك ظهيراً يحمي الشعب الفلسطيني من الوحشية الإسرائيلية، وأنّ اعتداءات إسرائيل على أيّ فلسطيني لن تمرّ من غير عقاب. أي، لئن كان مشروع "حماس" يتقدّم بالسنتميترات، فمشروع "فتح" يتراجع بالكيلومترات.

بهذا المعنى، أمسى موقع "حماس" في النضال الوطني الفلسطيني، على ما دلّت إشاراتٌ لا تحصى، في الأسبوعين الأخيرين على الأقل، في القلب من ذلك النضال، ويسعى في لمّ شمل الفلسطينيين كلّهم، فالحرب الشهر الماضي (مايو/ أيار) سمّتها "حماس" معركة "سيف القدس" انتصاراً للقدس وأهلها، وتصريحات رئيس مكتبها السياسي، إسماعيل هنية، والناطق باسم كتائب "القسام" أبو عبيدة، كانت تخاطب الفلسطينيين كلّهم في عموم فلسطين، لا سيما في مناطق 1948. هذا فيما خطاب السلطة الفلسطينية ما زال عالقاً في "أوسلو" فعشية "إضراب الكرامة" وصف التلفزيون الفلسطيني الرسمي الإضراب بأنّه يحدث في" المجتمع العربي والأراضي الفلسطينية" في الجملة. لقد شهدنا، للمرّة الأولى منذ قيام إسرائيل، فلسطينَ واحدة موحدة، من المطلّة إلى أم الرشراش، تعلن بصوتٍ واحد أنّها ملتفّة حول المقاومة المسلحة. يمكن الإشارة إلى مثال واحد، ذي دلالةٍ شديدة الإيحاء والرمزية، على ذاك الالتفاف، هو عبارة "من عكا إلى القدس الحبيبة - رجال الضيف" التي كُتبت بخط طفولي على جدار مسرح عكا القديمة في الأيام الأولى للحرب.

يُذلّ الفلسطيني على الحاجز، وحين تُقطع عنه المياه والكهرباء ويُحرم من أبسط الحقوق الإنسانية، مثل حق السفر والاستقلال والتصويت

يختلف الفلسطينيون على كلّ شيء وفي كلّ شيء، فمثلاً، يكاد عدد اللهجات في فلسطين يكون أكبر من عددها في شبه القارّة الهندية، وينقسمون أفقياً وعمودياً، وحضرياً وريفياً، بل لا يكاد يوجد إجماع بين شخصين فلسطينيين على طريقة تحضير "المقلوبة" (طبخة محلية) لكنّهم يُجمعون على أن من يؤذي إسرائيل ويتسبب لها بالوجع هو من يمثل آمالهم وآلامهم ومطامحهم وأشواقهم وسعيهم وكفاحهم.

كلّ فلسطيني على وجه الأرض الآن، تغيّر مصير حياته ومسارها بسبب وجود إسرائيل. إسرائيل "علّة أولى" في حياة كلّ فلسطيني، تدحرجت بسببها كلّ الأحداث في تلك الحياة. إسرائيل أثرت في كلّ فلسطيني بالمعنى الشخصي جداً. إنّها تمتصّ كلّ الهواء في الغرفة حتى لا يملك الفلسطيني ترف التفكير في شيء آخر غير الفكاك منها.

بكلمة، حين يُذلّ الفلسطيني على الحاجز، وحين تُقطع عنه المياه والكهرباء ويُحرم من أبسط الحقوق الإنسانية، مثل حق السفر والاستقلال والتصويت، وحين يُطرد ويطارَد في العواصم والمعابر والمطارات، لا يفكر بأيديولوجيا "حماس" ورجعيتها وانقلابها وانحيازاتها، بل في شيء واحد: كيف يُنهي دولة إسرائيل.

AD28D8DD-82CD-4359-9B77-8FE9B653247D
هشام غانم