"التضامن" وأخواتها

"التضامن" وأخواتها

01 مايو 2022
+ الخط -

لم يكن خبر مذبحة حي التضامن في دمشق مفاجئاً. كل من يعرف النظام السوري وأفعاله كان يتوقع أن عشرات من هذه المجازر حدثت، وربما ما زالت تحدُث لألوف السوريين القابعين في معسكرات الاعتقال، ولا يُعرف شيء عن مصيرهم، وما إذا كانوا ما زالوا أحياء أو التحقوا بركب ضحايا النظام بفعل مذبحة تصفيةٍ مثل "التضامن"، وقبلها تدمر وغيرهما الكثير.

ربما المفاجئ هذه المرّة هو مشهد القتل على الهواء مباشرة. كل من أيّد الثورة السورية، من السوريين وغيرهم، خصوصاً الذين كانوا موجودين خارج سورية في فترة اندلاع الثورة، كانوا مدركين أن جرائم ومجازر كثيرة قد ارتكُبت بحق معتقلين ومدنيين ونساء وأطفال، لكن ربما هذه هي المرّة الأولى التي يتم بثّ هذا القتل على العلن. والمرّة الأولى التي يمكن رؤية وجه المجرم يقتل بدم بارد، وملاحظة استسلام الضحايا واستعدادهم لملاقاة حتفهم. ورغم أن التسجيل المصوّر الذي نشرته صحيفة "ذا غارديان" البريطانية عمل على اقتطاع القتل المباشر، إلا أنه كان بالإمكان تخيّل تكملة المشاهد المقتطعة، هذا قبل أن تتم قرصنة التسجيل المصور الأصلي وبثه على بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

بات من الممكن اليوم تخيّل كيف قضى آلاف السوريين في المعتقلات أو تحت التعذيب، وأصبح مفهوماً ذلك الدعاء الذي كانت تطلقه أمهات سوريات عندما تصل إليهن أخبار فقدان أبنائهن، إذ كنّ يقلن "يا رب عندك ولا عندهم". ربما بالنسبة لهؤلاء الأمهات، من السهل تخيّل أن أبناءهن اعتباراً من تلك اللحظة باتوا قتلى، بدل تصوّر مسار طويل من التعذيب و"ألف موتة"، قبل أن ينتهي الأمر بالقتل المباشر، تماماً كما شهد العالم في حي التضامن.

وبمناسبة الحديث عن العالم، أيضاً لم نكن نتوقع أي تحرّك أو أي استنكار عربي ودولي لهذه المجزرة، التي ليست إلا عيّنة من كثير غيرها من مجازر لم تحظ بفرصة التصوير والبثّ على العلن. لم نكن نتوقع أن تؤدي هذه المشاهد المصوّرة إلى فتح باب محاسبة النظام السوري على مصراعيه، أو الضغط لإطاحته وجرّه إلى المحكمة الجنائية الدولة. كذلك لم تكن هناك أحلام بأن تؤدّي معطيات المذبحة إلى وقف مسار التطبيع العربي مع النظام السوري، خصوصاً أن على أيدي هذه الدول أيضاً دماء، وإن لم تكن بالفظاعة ذاتها التي يرتكبها بشار الأسد وشبّيحته. فكل هذه التوقعات والآمال باتت وراء السوريين والمناصرين للثورة السورية، والذين باتوا مدركين أن الثورة تُركت إلى مصيرها، وأن هناك وضعاً قائماً ثابتاً، أو ستاتيكو بالمفهوم السياسي، لن يجري تغييره قبل تبدّل موازين القوى داخل سورية وخارجها.

ربما كان التعويل، ولو قليلاً، على أن تساهم مثل هذه المشاهد في توحيد السوريين، معارضين وموالين، على فكرة التضامن مع القتيل في وجه القاتل، وأن تؤدّي صور القتل بدم بارد لمواطنين عزّل ورميهم في حفرة وحرق أجسادهم إلى تبديل قليل في طريقة نظر بعض الموالين، سوريين وغير سوريين، إلى هذا النظام، والذي لا يمكن أن يكون إلا مجرماً. لكن حتى هذا لم يحدُث، أو على الأقل لم يظهر، فما ظهر لم يكن إلا غرقاً سورياً في مزيد من الانقسام. فبداية على مستوى الموالين، هناك من برّر للقاتل فعلته من باب "الانتقام"، وهم رغم قلتهم، إلا أنهم عبّروا عما يدور في داخل كثيرين آخرين. ثم هناك من سعى إلى تبرئة الأسد ونظامه من المجزرة، ورأى في إقالة وزير الدفاع، فرصةً للإشارة إلى أن هذا النظام لم يكن يعلم بهذه الجرائم، وأنه فور علمه اتخذ هذه الخطوة، والتي ليست إلا خطوة ذات أبعاد سياسية ولا ارتباط بينها وبين المذبحة.

في المقابل، على مستوى معارضين كثيرين، كانت الجريمة فرصة لإعادة نبش النعرات الطائفية واللعب على أوتار الانقسامات الطائفية، والتي أدّى استخدامها سابقا، وعودتها الآن، إلى نفور  سوريين كثيرين من الثورة ومن كان يدّعي تمثيلها.

مذبحة حي التضامن واحدة من مشاهد المحرقة السورية. ولا شك في أن مشاهد أخرى قد تكون في الطريق، ولكنها لن تؤدّي إلا إلى نكء الجراح وزيادة الانقسام.